نسبة كتاب فصوص الحكم

نسبة كتاب فصوص الحكم

(بقلم محمد بن علي حاج يوسف)

إنَّ الإقرار بوجود الأخطاء الناتجة عن النسخ والتداول لكتب الشيخ يدفعنا إلى ضرورة دراسة المخطوطات المختلفة لهذه الكتب وتحقيقها تحقيقاً علمياً دقيقاً، ولا ينبغي أبداً أن يكون ذلك سبباً لرفض نسبة هذه الكتب إليه، طالما أنَّ الوثائق التاريخية والمخطوطات تثبت نسبتها. إن المنتقدين للشيخ محي الدين يجدون في العبارات المشكلة غايتهم ويتخذونها سبباً لنقده وربما تكفيره، دون بذل جهد كبير في محاولة فهمها وتأويلها، بل ربما يؤوِّلونها على أبعد الوجوه لكي يصلوا إلى غاياتهم ويُثبتوا وجهات نظرهم. لكن حينما نجد شيخاً ممن ينتمي لمدرسة الشيخ محي الدين، من الذين قضوا الكثير من سنوات عمرهم في دراسة كتبه وكتابة علومه وتدريسها، ثم نجده بعد ذلك ينتقد بعض كتبه المعروفة ويرفضها، يمكننا حينئذٍ أن نجد كلَّ الأعذار لمن لم يسلك طريق الشيخ ولم ينهل من معين مشاهداته ومكاشفاته ولم يقتنع أصلاً بذوقه ومشربه، ويمكننا أن ندرك السبب الذي منع الشيخ من إخراج الكثير من كتبه إلى مرحلة متأخرة من حياته.

لقد تصدى الأستاذ محمود غراب لتحقيق عدد من كتب الشيخ محي الدين وبذل في سبيل ذلك جهوداً كبيرة، ولكنه أخطأ حينما حاول نقض صحة نسبة بعض هذه الكتب إليه بسبب ما يرد فيها مما ينتقده بسببها بعض العلماء على أنه يخالف فيها الشريعة الإسلامية، وهو يعتقد في ذلك أنه يدافع عنه. ولكنَّ هذا يؤدي إلى نتائج قد تكون أسوأ من انتقادات من أساء فهم كتب الشيخ محي الدين فرفضوه وكفَّروه، وهم يعتقدون أيضاً أنهم يدافعون عن الإسلام. ولكن لعلَّ ذلك تقديرٌ إلهيٌّ ولطف خفيٌّ بالمسلمين حين هيَّأ الله لهم من يصدُّهم عن التصدي لعلوم الشيخ الأكبر، التي لا يمكن لأغلب الناس أن يخوضوا في رحابها ويغوصوا في أعماقها، وذلك سواء لمن عادى الشيخ وخطّأه أو كفّره، أو لمن اعتقد بنزاهته ولكنه لمّا يملك بعد لوازم دراسة جميع كتبه وفهم الكثير من مقاصده التي لا يمكن أن تجانب الحقيقة أو تخالف الشريعة.

إنَّ رفض بعض كتب الشيخ بسبب وجود بعض العبارات التي يصعب تلقيها وفق حدود الأسس العامة للعقل، وحدود مفهوماتنا الضيقة للشريعة، يؤدي إلى تشويه الصورة التي أراد هو أن يوصلها لنا، والتي ستزداد وضوحاً وتكاملاً كلّما أعدنا النظر وتمعَّنّا في هذه العبارات المشكلة، حتى تنفتح لنا أبواب جديدة من الفهم تدخلنا في فضاءات واسعة من المعارف لم نكن نعلم بوجودها. لذلك سنحاول فيما يلي شرح بعض الأخطاء التي وقع بها الأستاذ محمود غراب في نقده لكتاب فصوص الحكم (عي 150) في محاولته نفي صحة نسبته إلى الشيخ محي الدين.

لقد أرسل الأستاذ محمود بعض تعليقاته على فصوص الحكم، وكذلك الفهرس والإجازة،[1] إلى شيخنا فضيلة الشيخ رمضان صبحي ديب الدمشقي لكي يفتيه فيها. والشيخ رمضان من كبار الأولياء وهو معروف لأهل الشام وعلى مستوى العالم. ومع أن أغلب الناس يعرفونه من خلال دروسه العامة التي يلقيها صباح مساء على أيام الأسبوع في جوامع دمشق وضواحيها، ويعرفونه من خلال أفضاله التي لا تحصى وبركاته وكراماته التي لا تخفى، إذ إنّ همه وشغله الشاغل على مدى حياته -التي بلغت تسعة عقود، أطال الله في عمره وبارك لنا في حياته- هو خدمة الناس ودعوتهم وهدايتهم إلى سبيل الله. ولكن القليل من الناس يعرف مقدار تحققه في علوم الذوق، وخاصة فيما يخص الشيخ الأكبر، غير أنه لا يُظهر ذلك للعامة خشية افتتان الناس بهذه العلوم التي قد لا تنفعهم كثيراً. ويكفي للتدليل على ذلك أن الأستاذ علي عبد الله شودكيفيز، وهو شيخ الشيوخ بالنسبة للباحثين على مستوى العالم في مجال الشيخ الأكبر من الذين تفرغوا لعشرات السنين لدراسة كتبه ولهم عشرات المؤلفات في هذا المجال، فأقول يكفي أن نعرف أن الشيخ علي عبد الله شودكيفيز يدعو فضيلة الشيخ رمضان في جميع مراسلاته معه بـ"شيخي ومرشدي"، وذلك منذ أكثر من أربعين عاماً.[2] ولقد أذن لي شيخي ومرشدي فضيلة الشيخ رمضان، رضي الله عنه وأطال عمره وبارك لنا بحياته، بالرد على ما كتبه الأستاذ محمود فقمت بكتابة بعض التعليقات على هذا التحقيق ونُشرت على موقع (ibnalarabi.com) من قبل ونحن نعيدها نشرها الآن بمزيد من التفصيل لما لها من فائدة في سبيل ما نحن بصدد في هذا الكتاب من دراسة مؤلفات الشيخ محي الدين.

فالشيخ محمود غراب ينفي صحة نسبة فصوص الحكم للشيخ محي الدين، وينفي كذلك صحة نسبة فهرس المصنفات الذي كتبه الشيخ لتلميذه صدر الدين القونوي والإجازة اللتي كتبها للملك المظفر شهاب الدين غازي الأيوبي، وهما اللتان تنصان صراحة على صحة نسبة هذا الكتاب إليه، وسوف نؤجل نقاشهما للملحقات حيث نذكرهما بالتفصيل. ولكن التشكيك بكتاب فصوص الحكم يعني التشكيك بمئات العلماء الكبار الذين شرحوه واقتبسوا منه، فله أكثر من مئة وخمسين شرحاً وترجمة، من علماء كبار من الذين كانوا معاصرين له أو ممن أتوا بعده، من أمثال: إسماعيل بن سودكين (المتوفى سنة 646 هـ / 1248 م) في شرحه للفص الإدريسي، والشيخ صدر الدين القونوي (المتوفى سنة 672‍ هـ / 1274 م) في الفكوك، والشيخ عفيف الدين سليمان بن عبد اللّه التلمساني (المتوفى سنة 690 هـ / 1291 م)، والشيخ عبد الرزاق الكاشاني (المتوفى سنة 730 هـ / 1330 م)، والشيخ داود بن محمود القيصري (المتوفى سنة751 هـ / 1350 م) في مطلع خصوص الكلم، والشيخ حيدر بن علي الحسيني الآملي (المتوفى نحو سنة 786 ه) في نص النصوص، والشيخ عبد الكريم الجيلي (المتوفى سنة 820 هـ / 1417 م)، والشيخ عبد الرحمن بن أحمد الجامي (المتوفى سنة 898‍ هـ / 1492 م)، والشيخ ابن كمال باشا (المتوفى سنة 940 هـ / 1533 م)، والشيخ عبد اللّه البسنوي (المتوفى سنة1054 هـ / 1644 م) في تجليات عرائس النصوص، والشيخ عبد الغنى النابلسى (المتوفى سنة1143 هـ / 1730 م) في جواهر النصوص، والشيخ خواجة محمد بارسا (المتوفى سنة822 ه‍). وغيرهم الكثير.

لا أحد من الشيوخ والعلماء والباحثين المهتمين بالشيخ محي الدين يشك أبداً بنسبة هذا الكتاب، لا شكلاً ولا مضموناً. وفي الحقيقة إنَّ الشيخ محمود غراب أوقع نفسه في مواجهة كبيرة مع الوقائع البديهية مما اضطرَّه في النهاية لطرح فرضيات بعيدة جداً عن الواقع. فهو بداية يسمي كتابه: "شرح فصوص الحكم" ثم يضيف تحت العنوان عبارة: "من كلام الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي" كما اعتاد أن يفعل في أغلب كتبه. ثم يضيف تحت العنوان واصفاً عمله على الكتاب بأنه "تحقيق وجمع وتأليف محمود محمود غراب". فهذا يعني بالضرورة أنه يقرُّ بنسبة الكتاب للشيخ محي الدين وهو إنما يريد مقابلة المخطوطات لاستخلاص النصِّ الصحيح واستبعاد الأخطاء الناتجة عن النسخ، لكننا لا نرى داخل الكتاب أيَّ نوع من التحقيق ولا مقابلة بين مخطوطات. ثم نراه تارة يشكك ببعض محتويات الكتاب ويحاول مناقضتها بما ثبت من كلام الشيخ محي الدين، وتارة يشكك بصحة نسبة الكتاب كلِّه. فإذا كان يقرُّ بنسبة الكتاب للشيخ محي الدين يمكنه أن يحققه ويثبت عدم صحة بعض عباراته، وهو لم يفعل هذا. وأما إذا كان ينفي صحة نسبة الكتاب للشيخ محي الدين، فما الداعي لكتابة كتاب اسمه "شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ محي الدين ابن العربي"!

على كل حال؛ يثير الشيخ محمود غراب بعض النقاط التي يظن أنها تخالف المنطق أو تخالف ما ثبت من كتب الشيخ محي الدين، وخاصة كتاب الفتوحات المكية، فيستنتج أن هذا الكتاب مدسوس عليه وليس من جملة كتبه. ومع أنَّ جميع هذه النقاط يمكن دحضها، ولكنها في الحقيقة من بعض الإشكاليات الكثيرة الموجودة بالفعل في كتب الشيخ، وخاصة في الفصوص؛ ولعلَّ دراستها هنا تكون أنموذجاً لما يمكن أن يُثار حول بعض العبارات أو المفاهيم الموجودة في الفتوحات المكية:

لماذا لم يذكر الشيخ هذا الكتاب

يبدؤ الشيخ محمود نقده بالقول أنّ الشيخ محي الدين لم يذكر كتاب فصوص الحكم في أي من الكتب التي ذكرها لنفسه، والبالغ عددها أربعة وسبعون كتاباً تقريباً، منها الفتوحات المكية التي استمرَّ في كتابتها حتى عام 636 ه؟

والجواب هو أنَّ الكتب التي ثبت تاريخ تأليفها بعد الفصوص هي سبعة كتب، وهي:

رسالة الفهرس (عي 142) التي صنّفت بدمشق سنة 627 ه، وقد ذكر فيها الفصوص. وكتاب الوصايا (عي 818) الذي صنّف بدمشق سنة 629 ه، وهو الباب الأخير من الفتوحات المكية. ونظم الفتح المكي (عي 542) الذي صنّف سنة 630 ه، وهو يتضمن الأشعار التي في الفتوحات. وكتاب المعشرات (عي 484) الذي صنّف بدمشق قبل سنة 630 ه، وهو ديوان شعري. ورسالة نسب الخرقة (عي 530) التي صنّفت بدمشق سنة 633 ه. ورسالة الإجازة للملك المظفر (عي 269) التي صنّفت بدمشق سنة 632 ه، وقد ذكر فيها الفصوص. والديوان الكبير (عي 102) الذي فرغ الشيخ من تصنيفه بدمشق سنة 634 ه، وقد ذكر فيه الفصوص أيضاً.

فقد ذكر الشيخ كتاب الفصوص في الفهرس (فه 187) وفي الإجازة (جز 194) وفي الديوان (ص ؟؟؟). وأما نظم الفتح المكي فليس كتاباً جديداً، وإنما هو جمع لقصائد الفتوحات المكتوبة من قبل. وأما الوصايا فموضوعه بعيد تماماً عن موضوع الفصوص، وكذلك كتاب الخلوة.

فإذا كان الأستاذ محمود بنكر الفهرس والإجازة لأنهما يذكران الفصوص، فهل ينكر الديوان أيضاً، حيث يقول الشيخ:

صادَني مَنْ كان فِكري صَادَهُ *** مَا لَهُ وَالله عَنْهُ مِنْ مَحِيصِ
صابِراً في كُلِّ سُوءٍ وَأَذَى *** في كَيَانٍ مِنْ عُمُومٍ وَخُصُوصِ
صُرَّة ٌ أَوْدَعْتُ قَلْبي عِلْمَهَا *** في كِتَابٍ وَسَمتْهُ بِالفُصُوصِ

وأما بالنسبة للفتوحات المكية فهي بشكل عام كتبت قبل فصوص الحكم، وصحيح أن الشيخ أعاد كتابتها مرة أخرى ما بين سنة 632 هـ إلى سنة 636 ه، ولكن هذه النسخة الثانية هي تكرار للنسخة الأولى، وحتى وإن أقرّ الشيخ أنه حذف وأضاف وعدّل على النسخة الأولى، غير أن ذلك كان على بعض العبارات وليس على المحتوى الكلي، فليس هناك من داع لذكر الفصوص في الفتوحات وقد تمت معظم موضوعاتها قبل تأليفه. أما النسخة الأولى من الفتوحات المكية فقد بدأها الشيخ سنة 598 هـ وانتهى منها سنة 629 ه، بعد تأليف الفصوص بسنتين، ولكن ذلك أيضاً لا يستلزم ذكر الفصوص فيها إذ لا شكّ أن معظم موضوعات الكتاب كُتبت قبل سنة 627 هـ بكثير لأن الربع الأخير منه تقريباً هما البابان الطويلان جداً؛ الباب التَّاسع والخمسون وخمسمائة وهو باب تلخيص أسرار أبواب الفتوحات، ويتضمن إشارات خاطفة لما ورد في الأبواب السابقة، والباب الستُّون وخمسمائة وهو باب الوصايا الذي يتضمن وصايا حكمية عامة موضوعها بعيد تماماً عن ما ورد في الفصوص.

يُضاف إلى ذلك كلِّه تصريح الشيخ في الفهرس الذي كتبه سنة 627 هـ بأن فصوص الحكم من بين الكتب التي لم يحن وقت إخراجها للناس بعد، في ذلك الوقت، فكيف يذكره في الفتوحات أو غيره وهو لم يخرجه بعد! ولا ندري حقيقة متى أخرجه للناس بعد تأليفه سنة 627 ه؛ فذكره في الفهرس الذي صنَّفه في نفس السنة لا يعني أنه كان قد أُخرج للناس لأنَّ الفهرس كتب لصدر الدين القونوي خاصة، ولو كان الفصوص منشوراً في ذلك الوقت ما كان سرده الشيخ ضمن الكتب التي لم يحن وقت إخراجها. غير أنه على الأغلب أُخرج قبل سنة 632 هـ لأنه في الإجازة يذكره مع غيره دون أن يقول إنه لم يحن وقت إخراجه.

وأما في الفصوص نفسه فيذكر الشيخ محي الدين بعض كتبه الأخرى على الأقل في ستة مواضع: كتاب التنزلات الموصلية (ج1: ص74 من طبعة عفيفي) وكتاب التجليات (ج1: ص125 من طبعة عفيفي) وكتاب الفتوحات (ج1: ص62، 177، 221، 224 من طبعة عفيفي).

مخطوطات الفصوص

هناك أكثر من مئة وعشرين مخطوطة لكتاب الفصوص في مكتبات العالم، منسوخة بتواريخ مختلفة، وأقدمها النسخة المحفوظة في متحف الأوقاف باستانبول، وهي من مخطوطات مكتبة صدر الدين القونوي وعليها سماع مسجل على الغلاف بتاريخ 630 هـ ومصدَّق عليه من الشيخ محي الدين وكان هو المسمع والقارئ والسامع هو صدر الدين القونوي. ولكن الشيخ محمود يشكك بهذه المخطوطة وهذا السماع ولا يستبعد تزويره لعدم وجود مستمعين آخرين كما هو الحال في سماعات الفتوحات المكية (انظر الفصل الخامس والفصل السابع من هذا الكتاب).

إنَّ فرضية التزوير هنا هي ادِّعاء واهٍ بحاجة إلى إثبات؛ فالشيخ محمود قد وقع كتابه "شرح فصوص الحكم" ونشر هذا الكتاب عدة مرات من قبل دور نشر مختلفة وهو الآن قيد التداول منذ ثلاثين سنة، وهناك أناس يعرفون مؤلفه ويتداولون كتابه ويتناقشون حوله ويعلقون عليه، فهل يمكنني أن أنكر نسبة هذا الكتاب إليه لأنني لم أراه يوقعه، وربما كان هذا التوقيع مزوراً! الجواب: نعم يمكنني أن أشكك بأي شيء، لكن أين الدليل؟

أسلوب الفصوص

يقول الشيخ محمود إنّ "أسلوب الكتابة في الفصوص غير مترابط، مهوش، وبعيد عن طابع وأسلوب كتابة الشيخ في كتبه الثابتة النسبة إليه في نفس المسائل، فهو في كتابته متماسك العبارة، جزيل اللفظ، متين الأسلوب، صريح البيان على عكس أسلوب عرض هذه المسائل في الفصوص".

فهذا الكلام بعيد عن الحقيقة كلَّ البعد، بل إن فصوص الحكم يكاد أن يكون من جوامع الكلم! بدليل وجود أكثر من مئة شرح عليه من قبل كبار أساطين العلماء، وهم لا يزالون يقلِّبون وجوه عباراته ويستخرجون دررها ومكنوناتها، ولم يشر أي واحد منهم إلى وجود أي خلل في الأسلوب أو في التعبير، كما يدعي الشيخ محمود!

ضعف الشواهد

ثم يتحدث الشيخ محمود عن ضعف الشواهد في المسائل الثابتة عن الشيخ الواردة في الفصوص مقارنة مع قوتها في كتب الشيخ الأخرى.

والحقيقة أن الفصوص جاء مختصراً وموجزاً، وعلى القارئ أن يبحث عن وجوه دلالات الكلمات والإضافات والعبارات وكلما أعاد القراءة عدة مرات سيكتشف مدى الدقة والبلاغة في التعبير. ولذلك كما قلنا لا زالت تكتب شروح كثيرة على هذا الكتاب البديع.

استخدام ألفاظ معربة

ثم يستشهد الأستاذ محمود باستخدام ألفاظ معربة في كتاب الفصوص مثل كلمة "ساذج" وكلمة "برنامج".

والحقيقة أنّ الشيخ قد استخدم هذه الكلمات في الفتوحات المكية كثيراً (ج1: ص21، 126، ج3: ص402، ج4: ص61، 163، 339)، وبأسلوب مشابه تماماً لما ورد في الفصوص (ج1: ص133، 199 من طبعة عفيفي)، فهذا في الحقيقة يؤكد بدلاً من أن ينفي نسبة الكتاب للشيخ محي الدين.

مسألة الرؤيا في المقدمة

ثم يقول الشيخ محمود: "كيف يعقل أن تصح الرؤيا المذكورة في مقدمة الفصوص وفيها أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأعطاه الكتاب وقال له: اخرج به إلى الناس ينتفعون به، فعمّ بقوله الناس، في حين أنه من الكتب المبنية على الرمز، والرمز يستخدمه الشيخ لخلاصة خاصة الخاصة، وليس لخاصة الخاصة، أو الخاصة، فضلاً عن العامة، فكيف يمكن أن يكون هذا الكتاب موجه للناس لينتفعوا به في حين أن فهمه استعصى على أئمة علماء المسلمين، بل أدى إلى وقوعهم في الشيخ الأكبر والإنكار عليه، واتهامه بما اتهموه به من الكفر، والإلحاد، والقول بالحلول والإتحاد إلى غير ذلك مما هو معروف."[v]

فالجواب: هل يُعقل أن يخرج الكتاب إلى فئة معينة دون بقية الناس، وإلا فكيف وصل إلينا بعد ثمانية قرون! ولكنَّ كلَّ من يقرأ الفصوص يصل إلى علم يناسب وعيه العلمي والإيماني. فالله سبحانه وتعالى أنزل القرآن الكريم على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بلغة العرب، في زمن البلاغة والفصاحة، وفيه من الإعجاز ما فيه؛ فأنكره بعضهم ورقت له قلوب أناس آخرين كانت قلوبهم كالحجارة قبل أن يسمعوه، كما كان حال سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه.

تناقضه مع كتب أخرى

ثم يبدأ الشيخ محمود بطرح مسائل يقول إنها تتعارض مع ما ثبت عن الشيخ محي الدين جاءت في كتبه الأخرى كالفتوحات المكية، ويقول إنه لا يمكن الجمع بوجه من الوجوه بين ما هو مذكور فيها وما جاء في كتاب الفصوص، ويقول إنه قد جمع حوالي مائة مسألة وذكرها في كتابه شرح فصوص الحكم، وقد اختار بعض هذه المسائل وأرسلها لفضيلة الشيخ رمضان صبحي ديب الدمشقي، وسوف نناقش هنا أهمها:

خاتم الرسل وخاتم الأولياء

يقول إن هناك تعارض بين قول الشيخ محي الدين في الفص الثاني، حكمة نفثية في كلمة شيثية، حيث يقول: "... حتى أن الرسل لا يرونه - متى رأوه - إلا من مشكاة خاتم الأولياء ..."، وبين ما يقول في الفتوحات مثلاً: "ولا ذوق لنا في مقامات الرسل عليهم السلام" (ج4: ص75) وأمثالها كثير في كلام الشيخ.

فاعتراضه هنا هو كيف يستمد الرسول من مشكاة خاتم الأولياء في حين لا ذوق لأحد في مقامات الرسل والأنبياء. ولكنه بكل بساطة يغفل عن حقيقة أنَّ خاتم الأولياء هو نبيٌّ ورسول، وهو عيسى عليه السلام، أما خاتم الأولياء المحمديين فهو محي الدين ابن العربي كما هو معروف لدارسيه،[3] كما أنَّ الرسول لا يكون رسولاً إلا أن يكون ولياً، فهو ولي ثم رسول، وكذلك النبي هو ولي ثم نبي، فيكون كلام الشيخ في الفصوص كما يلي:

"... وليس هذا العِلم إِلا لخاتم الرسل (وهو محمد صلى الله عليه وسلم) وخاتم الأولياء (وهو عيسى عليه السلام)، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم (محمد صلى الله عليه وسلم)، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي الخاتم (وهو عيسى عليه السلام)، حتى أن الرسل (من كونهم أولياء) لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء (وهو الرسول عيسى عليه السلام): فإِن الرسالة والنبوة - أعني نبوة التشريع، ورسالته - تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً. فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء (الذين هم ليسوا أنبياء ولا رسل)؟ وإِن كان خاتم الأولياء (الذي هو عيسى عليه السلام) تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل (الذي هو محمد صلى الله عليه وسلم) من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل، كما أنه من وجه يكون أعلى." (ج1: ص62 من طبعة عفيفي) فالشيخ هنا في الفصوص يقرر أن الرسل والأنبياء، من كونهم رسل وأنبياء، يستمدون من خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، في حين إن الأولياء بما فيهم الرسل والأنبياء، من كونهم أولياء، يستمدون من خاتم الأولياء عيسى عليه السلام (وهو نبي ورسول وولي)، فلم يعد في هذا الكلام أي تناقض!

لكن الشيخ محمود غراب يخلط هنا بين مفهوم خاتم الولاية ومفهوم خاتم الولاية المحمدية، فالأول هو عيسى عليه السلام والثاني هو الشيخ محي الدين، و الشيخ محي الدين لم يكن يتكلم، في النص المنقول أعلاه من الفصوص، عن خاتم الولاية المحمدية، بل عن خاتم الأولياء على الإطلاق وهو عيسى عليه السلام وهو رسول ونبي وولي.

إدريس وإلياس عليهما السلام

ويثير الشيخ محمود قضية الخلاف على إدريس وإلياس عليهما السلام، هل هما شخصان أو شخص واحد؟ ففي الفصوص يقول الشيخ محي الدين في الفص الثاني والعشرين، فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية، أن "إلياس هو إدريس كان نبياً قبل نوح، ورفعه الله مكاناً علياً"، فيعدُّهما شخصاً واحداً، في حين يقول في الفتوحات: "أبقى الله تعالى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرسل الأحياء بأجسامهم في هذه الدار الدنيا ثلاثة وهم: إدريس بقي حياً بجسده وأسكنه الله السماء الرابعة، وأبقى في الأرض أيضاً إلياس وعيسى وكلاهما من المرسلين" (ج2: ص5)، فيعدهما شخصان، وكذلك في (ج1: ص254، ج2: ص445، ج2ص455، ج3: ص39، ج3: ص50، ج3: ص230، ج3: ص514).

والجواب هو أن الخلاف على إدريس وإلياس عليهما السلام خلاف مشهور بين العلماء؛ هل هما شخص واحد أم اثنان، وتذهب بعض الآراء إلى أن إدريس هو إلياس ولكنه رجع في وقت آخر بعد أن رفعه الله تعالى مكاناً علياً، فهما شخص واحد بمسميين، وذلك أن إلياس هو في العهد القديم إيليا وهو النبي المنتظر رجوعه، ولذلك نجد الشيخ يفرق بينهما أثناء الحديث عن المقامات في الفتوحات المكية في المواضع التي نقلها الكاتب مثلاً، في حين إنه يعدهما واحداً في الفصوص المتخصص في الحديث عن خصائص أعيان الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وهذا الكلام يؤكده ابن العربي نفسه في هذا الفص تحديداً حين يقول: "إلياس هو إدريس‏، كان نبياً قبل نوح، ورفعه الله مكاناً علياً، فهو في قلب الأفلاك ساكن وهو فلك الشمس. ثم بُعث إلى قرية بعلبك (أي بُعث من جديد)". فانظر إلى دقة كلامه حيث جمع بين القولين، فقال أنه هو هو ثم قال أنه كان نبياً ثم رفع ثم بعث باسم إلياس.

إحياء عيسى للموتى

ثم ينقل الشيخ محمود عبارة من الفصوص: "فكان إحياء عيسى للأموات إحياءً محققاً من حيثما ظهر عن نفخه"، ويقول: هل يُتصور أن يقول الشيخ الأكبر في إحياء عيسى للموتى أنه إحياء محقق من حيث ما ظهر عن نفخه؟

فإذا نقلنا العبارة كاملة: "فخرج عيسى يُحْيِي الموتى لأنه روح إلهي، وكان الإحياء للَّه والنفخ لعيسى، كما كان النفخ لجبريل والكلمة للَّه. فكان إحياء عيسى للأموات إحياءً محققاً من حيثما ظهر عن نفخه، كما ظهر هو عن صورة أُمه. وكان إحياؤه أيضاً متوهماً أنه منه وإنما كان للَّه." (ج1: ص139)، فليس هناك أي شيء غريب في هذا الكلام، وهو نفسه ما يقوله في الفتوحات: "فالأفعال من المخلوقين مقدرة من الله ووجود أسبابها كلها بالأصالة من الله، وليس للعبد ولا لمخلوق فيها بالأصالة مدخل إلا من حيث هو مظهر لها" (ج1: ص727)، وأمثال هذه العبارات.

تناقضه مع نفسه

ثم يدعي الأستاذ محمود وجود تناقض داخل الفصوص، فينقل من فص حكمة حقيّة في كلمة إسحاقية كلام الشيخ محي الدين في حق بقي بن مخلد[4] الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فسقاه النبي في هذه الرؤيا لبناً، فصدّق بقيُّ بن مخلد رؤياه "فاستقاء فقاء لبناً ... فحرمه الله علماً كثيراً على قدر ما شرب" (ج1: 86). فيقول الأستاذ محمود: هل يعقل أن الشيخ يخطئ مثل هذا الخطأ فيكتب "على قدر ما شرب" بدلا من "على قدر ما استقاء".

وهذا أفضل مثال رأيته مما يمنع الناس من فهم كتب الصوفية، وهو هنا من شخص ينتمي لمدرسة الشيخ محي الدين، ولكنه يقرأ الكتاب وليس له هدف سوى البحث عن المعاني المخالفة لما وصل إليه من العلم، فيضيع بذلك إمكانية فهم النص الذي يعرف الجميع أنه من أعقد النصوص وأدقها. والشاهد هنا في هذا الفص يدور على "تصديق الرؤيا"، فتصديق الرؤيا عكس تعبيرها، فلما صدقها بقي واستقاء فقاء لبناً، فما شربه كان لبناً وما قاءه كان لبناً، وهذا ما كسبه، ما وجد غير اللبن. وأما لو عبَّرها بالعلم كما يجب، وما استقاء، لكان كسب قدْرَ ذلك من العلم.

وكما يشرح الشيخ في نفس هذا الفص، لما رأى سيدنا إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه، فصدَّق الرؤيا قال الله سبحانه وتعالى في سورة الصافات: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ [104] قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [105] وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [107])، فأخذ بظاهر الرؤيا ولم يعبِّرها فأراد أن يذبح ابنه، ففداه الله بذبح عظيم. فلو عبَّر بقي اللبن بالعلم لحصل على العلم، ولكنه لما صدَّقها وأخذها على ظاهرها بطلت الرؤيا كلها وخسر من العلم "على قدر ما شرب".

فما أدق الشيخ محي الدين في التعبير هنا: فلو قال "على قدر ما قاء"، لبقي الذي في بطنه عِلماً! ولكنه لما علم أن ما شربه من اللبن خرج لبناً حين استقاء، فقاء إما بعضه أو كله، خسر قدر جميع ما شرب وليس فقط قدر ما قاء، لأنه حين قاءه لبناً بطل تأويله بالعلم.

====================

[1] وهي أيضاً منشورة في كتابه: شرح فصوص الحكم من كلام الشيخ محي الدين ابن العربي، تحقيق وجمع وتأليف محمود محمود غراب، مطبعة زيد بن ثابت – دمشق، 1985.

[2] للمزيد عن هذا الموضوع راجع سيرة فضيلة الشيخ رمضان صبحي ديب الدمشقي في كتاب إيجاز البيان في سيرة فضيلة الشيخ رمضان، جمع وإعداد محمد علي حاج يوسف، دار طيبة الغراء – دمشق، 2012.

[3] راجع كتاب شمس المغرب: ص271.

[4] هو عبد الرحمن بقي بن مخلد القرطبي (201 هـ / 276 ه)، فقيه وإمام ومفسر أندلسي له تفسير للقرآن وكتاب في الحديث رتبه على أسماء الصحابة، وكتاب عن فتاوي الصحابة والتابعين.

System.String[]

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





يَا قَابِضُ يَا بَاسِطُ: اقْبِضْني عَنْ مُسَابَقَةِ دَوَاعِي النَّفْسِ وَابْسِطْ عَلَيَّ نَسِيْمَ نَفَحَات الإِنْسِ.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب النور الأسنى بمناجاة الله بأسمائه الحسنى - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!