من مقدمة كتاب سلوك القلب - التأويل الصوفي لسورة يوسف

 

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

 

﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾

مقدمة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الذي نزّل القرآن الكريم فجعله قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، وجعله هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ، يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ، والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا، والحمد لله الذي أنزل لنا كتابا فيه ذكرنا وحفظه فقال:إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ، وبيّن لنا فيه أنّه ما خلقنا إلا لنعبده فقال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ . ثم صرّف لنا فيه من كلِّ مثَلٍ وقصّ علينا فيه أحسن القصص وأنزل لنا الآيات لنهتدي إلى صراطه المستقيم، وبيّن لنا فيه الحقّ من الباطل؛ فأمرنا بإتّباع سبيل الحقّ ونهانا عن إتّباع سبيل الباطل، وحثّنا على التفكّر في خلق السماوات والأرض وما بينهما وخلق أنفسنا ليتبيّن لنا أنّه الحقّ ونهتدي إلى معرفته تعالى؛ فهوالرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، وخَلَقَ الْإِنسَانَ، وعَلَّمَهُ الْبَيَانَ، وأرسل لنا رسولاً من أنفسنا ليتلوا علينا آياته ويزكّينا ويعلِّمَنا الكتاب والحكمة، وإنْ كنّا من قبله لفي ضلالٍ مبين. فالصلاة والسلام على خاتم النبيّين سيّدنا محمّدٍ المبعوث رحمةً لنا وللعالمين، ونشهدُ أنّه بلّغَ ونصح وبيّن لنا سبيل السعادة والهداية فكان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى جميع الأولياء والصالحين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، كلَّ لمحةٍ وخطرةٍ صلاةً دائمةً بدوام ذكر الله، عدد ما في علمه، عدد ما لم يكن وما كان وما يكون وما سيكون وما يمكن أن يكون، ونسأل الله تعالى أن يوردنا حوضه ويشفّعه بنا يوم القيامة ويجعلنا معه في الفردوس الأعلى، آمين.

 

فلَكَ الحمد اللَّهمَّ ربَّنا إذ خلقتنا ولم نكُ شيئاً، ولك الحمد إذ أشهدتنا على أنفسنا بربوبيّتك فأقررنا برحمتك، ولك الحمد إذ فطرتنا على الوحدانيّة وهديتنا إلى الإسلام؛ لك الحمد كما حمدك سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهِك ولعظيمِ سلطانِك، لك الحمد كما حمَدتَ نفسَك، سبحانك لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نفسِك لا إله إلا أنت نستغفرك اللَّهمَّ ربَّنا من جميع الذنوب والخطايا ونتوب إليك.

 أمّا بَعْدُ:

فإنَّ القرآن الكريم هو معجزة الإسلام الأولى لما فيه من بديع النظم والمعاني والإخبار عن الغيب وعن قصص الأوّلين، ولما فيه من العلم والهداية والشفاء للمؤمنين. ولقد تحدّى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم به العربَ أصحابَ الفصاحة والبلاغة والبيان أن يأتوا بسورة من مثله فلم يستطيعوا. والتحدّي لا يزال قائماً حتى الآن، ولن يستطيع أحدٌ أن يأتي بسورة من مثله ولو جمع كلَّ أعوانه من إنسٍ وجنٍّ وغيرهم، من دون الله، كما قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [23] فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [24]﴾، فمهما جمعوا من الأعوان والشركاء فلن يستطيعوا أن يأتوا بسورة من مثله، لأنه كما يقول تعالى: ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [1]﴾ [سورة هود]، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ [41] لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [42]﴾ [سورة فصّلت].

ولقد قال الله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [105]﴾؛ فهذا عملٌ متواضعٌ يسّرني الله تعالى من فضله وكرمه لإتمامه راجياً به وجهه الكريم ليكون لي ذخراً يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. فلقد رأيت أنّ معظم الناس غافلين عن إدراك الوجوه الكثيرة لمعاني آيات القرآن الكريم، فأخذوا منها المعنى الظاهر واكتفوا. وذلك المعنى الظاهري مع صحّته وضرورة الأخذ به، فليس هو المعنى الوحيد الذي يمكن أن يُستفاد من تلاوة القرآن، بل ما هو إلا أحد المعاني الكثيرة التي لا تحصى والتي ربما تتعدّد بتعدّد القارئين بل بتكرار القراءة؛ فكلّ مرّة يقرأ المسلم القرآن الكريم يجب أن يستفيد منه علوماً جديدةً لكثرة وجوه معانيه، كما قال الصحابي الجليل أبو الدرداء رضي الله عنه: لا يفقه الرجل كلَّ الفقه حتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرة.[1] فينبغي تدبّر معاني الآيات عند القراءة مهما تكرّرت التلاوة فإنّه في كلّ مرّة ربما يلوح له فهمٌ جديد لم يحصل في تلاوتها من قبل. وفي الحقيقة لا تكرار في الوجود مطلقاً لأنّ الله تعالى خلاّقٌ وواسعٌ كريم؛ فبسم الله الرحمن الرحيم في سورة الفاتحة ليست هي بسم الله الرحمن الرحيم في سورة البقرة، بل ليست هي نفسها عندما نقرؤها مرّة أخرى من جديد، فكلّ كلمة لها تعلّقٌ معيّنٌ فريدٌ في حال قراءتها حسب الوقت والحال.

وأكثر المسلمين اليوم من الذين يتعهّدون قراءة القرآن الكريم كثيراً ما يشعرون بالملَل والشرود لبُعد معاني الآيات الكريمة التي يقرؤونها عن حياتهم وهمومهم ومشاكلهم لأنهم على الأغلب (يظنُّون أنهم) قد فهموا معناها الظاهرَ ولم يبقَ لهم أيُّ شيءٍ آخرَ يستفيدون منه علماً جديداً يحافظ على اهتمامهم ويؤدّي إلى عملٍ جديدٍ وطاعةٍ مستمرّةٍ تؤثّر في قلوبهم وترفع من همّتهم. فقد يستغلّ الشيطان مثل هذا الحال ليطرح شباكه ويوسوس في العقول حتى تزيغ القلوب. وأعتقد من غير سوء ظنٍّ أنّ الكثير من المسلمين اليوم وقعوا في مثل هذه الدائرة، ولولا رحمة الله السابقة بنا أن أعطانا العقل والحجّة والبرهان المؤيَّد بالإيمان لضللنا واتَّبعنا سبل الشياطين.

ويجب أن نعلم أنَّ إعجاز القرآن الكريم لا يتمثّلُ فقط في نظمه ومعناه، ولا في تأثيره على القلوب والأرواح فحسب، بل له خواصٌّ لا يعلمها إلاّ الله ومن علَّمه الله منها ما علَّمه. ومن ضمن خواصِّ القرآن الكريم معانيه الباطنة وهو ما يُسمّى بالتأويل. فقد ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: ما نزّل الله من آيةٍ إلا ولها ظهرٌ وبطنٌ ولكلِّ حرفٍ حدٌّ ولكلِّ حدٍّ مُطّلعٌ،[2] وقال الشيخ عبد الرزّاق القيشاني مؤلّف كتاب تفسير ابن عربي في شرح هذا الحديث: فالظهر هو التفسير والبطن هو التأويل والحدّ هو ما تتناهى إليه الفهوم من معنى الكلام والمطّلع ما يصعد إليه منه.[3] وكذلك ورد في حديث آخر أنّ لكلّ آية من آيات القرآن الكريم ظهر وبطن، ولبطنها بطن إلى سبعة بطون وقيل إلى تسعة.[4]

وقبل كلّ شيءٍ يجب علينا أن نؤكّد كما أكّد الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي[5] وكذلك حجّة الإسلام الإمام محمّد الغزالي[6] وابن عطاء الله السكندري[7] وغيرهم من أهل الله أن الأخذ بالمعنى الظاهر (أي التفسير) واجبٌ على كلّ مسلم ولا يجوز الأخذ ببواطن الأمور وترك ظواهرها، فهذا مذهب الباطنيّة وهو مرفوضٌ قطعاً. وكذلك فإن الأخذ بالظاهر فقط وإنكار معاني الأسرار الباطنيّة (أي التأويل) هو مذهب الحشويّة وهو إنقاصٌ لحقّ القرآن واقتصارٌ على جانبٍ واحدٍ منه. فالكمال الأولى هو الأخذ بظاهر القرآن والعمل بمقتضاه على جميع الوجوه التي قرّرها الشرع من خلال الكتاب والسنّة والإجماع والطرق التشريعيّة الأخرى، ثم بالإضافة إلى ذلك النَّظر في المعاني الباطنة لآيات القرآن الكريم واستنباط العلوم والمعارف منها وتطبيقها بحيث لا يتعارض ذلك مع ما قرّرته الشريعة؛ فيقول ابن العربي "إنما فرّقنا في التعبير بين الإشارة والتحقيق لئلا يتخيّل من لا معرفة له بما آخذَ أهل الله إنهم يرمون بالظواهر فينسبونهم إلى الباطنية وحاشاهم من ذلك بل هم القائلون بالطرفين؛ كان شيخنا أبو مدين يذمُّ الطرفين على الانفراد ويقول إن الجامع بين الطرفين هو الكامل في السنّة والمعرفة."[8]

فالله تعالى يؤيّدنا بالإيمان حتى نذوق بعض المعاني الباطنة لآيات القرآن الكريم حتى ينشرح لها الصدر وتذرف العين ويقشعرّ الجلد وتسري معانيها في العروق كأننا نقرؤها لأوّل مرّة.

ولكن من أجل أن يحصل ذلك يجب أوّلاً أن ندرك أنّ المخاطَب في القرآن في جميع آياته على اختلاف مواضيعها هو السامع شخصياً، أي كلّ مسلم بل كلّ إنسانٍ مسلماً كان أو غير مسلم. ومع أنّنا قد نعرف ذلك على وجه العموم ولكن يجب أن نذوقه ونشعر به في أعماق نفوسنا. ولكي يحصل هذا يجب أن نعرف وجهَ الخطاب الإلهي لنا في كلّ شيءٍ حتّى وإن لم يكن لنا به علاقة واضحة ومباشرة. فالحقيقة إنّ كلّ حركة أو سكون في الكون يخصّ الإنسان مباشرة، والحكيم اللبيب هو الذي يفهم هذه الإشارات ولا يتركها تفوته دون اعتبارٍ بها وعملٍ بمقتضاها حتى يرتقي في سلّم المعرفة للوصول إلى أعلى درجات اليقين.

والمفتاح الأساسي للوصول إلى فهم هذه الإشارات التي نصبها لنا الله تعالى في الكون حتى نعتبر بها كما قلنا هو قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث يقول:

 

دواؤُكَ فيك وما تشعرُ *** وداؤُكَ منك وما تنظرُ
وتحسب أنّك جرمٌ صغيرٌ *** وفيكَ انطوى العالَم الأكبرُ
وأنت الكتابُ المُبين الذي *** بأحرفه يظهرُ المُضمرُ[9]

 

 

 

أي أنّ العالَم الخارجي هو نسخة عن الإنسان؛ فكلّ شيءٍ في العالَم يقابله شيءٌ في الإنسان صورةً بصورةٍ ومعنىً بمعنى؛ فالله تعالى عندما يقصّ علينا القصص ويصف لنا الأمم والناس والسماء والأرض والجبال، كلّ ذلك إشارات لنا حتى نعتبر ونعرف حالَنا ومقامنا لنشخّص مكامن الداء ونعرف أين نجد الدواء.

ولقد أسَّسَت هذه الرؤية عند الصوفيّة ما يُعرف بنظريّة الإنسان الكبير حيث يعتبرون العالَم إنساناً كبيراً والإنسانَ عالَماً صغيراً. فابن العربي مثلاً كتب كتاباً سمّاه "التدبيرات الإلهيّة في إصلاح المملكة الإنسانيّة" يوضّح فيه هذه المضاهاة بين العالَم والإنسان. وأصل ذلك يعود في الحقيقة إلى أنّ الله تعالى خلق الإنسان على صورته كما ورد في الحديث النبويّ المروي في الصحيحين وغيرهما[10] رغم أنّ بعض العلماء يقول إنّ الضمير في "صورته" عائد على آدم عليه السلام، أي على صورة آدم التي كان عليها من مبدأ فطرته إلى موته لم تتفاوت قامته ولم تتغيّر هيئته، ولكنّ الضمير هنا عائد على الله تعالى بقرينة الرواية الأخرى "خلق آدم على صورة الرحمن،[11] ولكن ليس المقصود بالصورة تحديد شكلٍ أو هيئة سبحان الله وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، ولكن معناه أنَّه سبحانه أعطى الإنسان من الصفات والأسماء ما يوجد مسمّاها عند الله عزّ وجلّ، مثل الرحمة والكرم والقدرة والعلم والإرادة وغير ذلك. ويستخدم ابن العربي هذا الحديث كثيراً بالمعنى الثاني، وقد وضع الفصّ الأوّل في فصوص الحكم (فصُّ حكمةٍ إلهيةٍ في كلمةٍ آدمية) على أساسه حيث يؤكّد أنّ الضمير عائد إلى الله تعالى.[12] ولكنّ ابن العربي يشدّد على أنّ معنى هذا الحديث هو أنّ الأسماء الإلهيّة لله تعالى تظهر بمجموعها في الإنسان، وكما قلنا لا يُفهم من الصورة أيّ نوع من التشبيه أو التجسيم سبحان الله وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

وفي الحقيقة هذه الصفات الإلهية موجودة أيضاً في العالَم، ولكن منثورة غير مجتمعة في شخص واحد إلا في الإنسان الكامل. فكذلك يقول ابن العربي إنّ الله تعالى خلق العالَم على صورة الإنسان؛[13] فالعالَم بما فيه الإنسان مخلوق على الصورة الإلهيّة ولكنّه من غير الإنسان فليس له هذا الكمال،[14] كما أنّ الإنسان من غير النفس الناطقة، وهي الروح، ليس له كمال الصورة الإلهيّة؛ حيث يبقى مثل الحيوان. ولكنّ يجب كذلك أن نضيف أنَّ كون الإنسان أو العالَم على الصورة الإلهيّة بهذا الاعتبار لا يعني أبداً أنّ الإنسان أو العالَم مماثلٌ لله سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.[15]

ومن هنا ينشأ تأويل القرآن الكريم، حيث يمكن مثلاً تطبيق جميع الآيات التي تخصّ خلق العالَم على الإنسان نفسه، وكذلك جميع الآيات التي تحكي مثلاً قصص الأنبياء أو الأقوام السابقة؛ لأنّ الأنبياء تقابل في الإنسان القوى الروحانيّة مثل العقل والفكر والخيال، وفرعون مثلاً هو مثل النفس الأمّارة بالسوء؛ وهكذا يمكن إسقاط المعاني القرآنيّة على الإنسان بحيث نأخذ منها العبر والمعاني العميقة التي تهمّنا مباشرة.

ومن بين أهمّ القصص التي ذكرها الله تعالى في القرآن كاملة بالتفصيل في سورة واحدة هي قصّة يوسف عليه السلام والتي هي في الحقيقة قصّة كلّ واحد فينا عندما ننظر إلى تفاصيل نشأتنا وننظر مثلاً إلى التنافس بين القلب الذي يسعى للمعرفة ويطلب غذاءه الروحي منها حتى يرتقي في مدارج الكمال ويفنى في الله تعالى عن هذه الدنيا الفانية، والنفس التي تسعى وراء الشهوات الطبيعيّة والتي غالباً ما تكون محرّمة أو مضرّة فتلهث النفس وراءها وتغترف منها ولا تشبع أبداً.

ومن أجل ذلك أطلقت على هذا الكتاب عنوان "سلوك القلب"؛ لأنّ سيرة يوسف عليه السلام وقصّته مع إخوته مثل سيرة القلب وقصّته مع النفس وجنودها مثل الشهوة والغضب والوهم والهوى. فكلّ إنسان مسلم أو غير مسلم له سلوكٌ خاصٌّ به حيث لا يوجد شخصان سلكا نفس الطريق لأنّه لا بدّ من الاختلاف، ولكّن هذه القصّة تضع الخطوط العريضة التي تنطبق على سلوك البشر في هذه الدنيا عموماً.

فليست هذه الحياة الدنيا سوى طريق يسلكه كلّ واحد منّا ويؤدّي إلى حياة أخرى هي الآخرة، فبحسب الطريق الذي نسلكه تكون النهاية؛ فمن كان طريقه طريق الحقّ وهو الصراط المستقيم وصل إلى السعادة الأبديّة، ومن تفرّقت به السبل واتّبع سبيل الشيطان والهوى ضلّ على نفسه، فإن عاد قبل فوات الأوان ورجع إلى الطريق القويم اهتدى وإن مات قبل ذلك فإنّ أمره إلى الله فإن شاء عفا عنه وإلا فإنّ نهايته الشقاء نعوذ بالله من أن يجعلنا من الأشقياء ونسأله ونتوسّل إليه بصاحب الشفاعة والوسيلة محمّد صلّى الله عليه وسلّم أن يجعلنا من السعداء الذين أطاعوا الله ورسوله ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [69]﴾، [سورة النساء].

فلذلك اخترت سورة يوسف بالذات من بين جميع السور الكريمة، لأنها سورة مخصوصة بقصة يوسف عليه السلام في حين أن جميع سور القرآن الكريم تتكلم عن عدة مواضيع مختلفة. ولذلك نجد هذه السورة مشروحة بالكامل في كتاب تفسير ابن العربي المنسوب إلى الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي رضي الله عنه ولو أنّ بعض الباحثين يؤكّدون أنّه لأحد تلاميذه وهو عبد الرزّاق القيشاني كما سنتكلّم عن ذلك بعد قليل. فمؤلّف هذا الكتاب أعطى أهمّيّةً خاصّةً لتأويل هذه السورة الكريمة لما يُرتجى منه من الفائدة، فنراه قد فسّرها آيةً آية وأطال الشرح على بعض الآيات أكثر من غيرها، رغم أنّ الكتاب مختصر جدّاً وقد مرّ به على العديد من الآيات من السور الأخرى دون أن يعلّق عليها.

فتأويل هذه السورة بالذات من كتاب تفسير ابن عربي يتكلّم على سلوك القلب وما يحصل له مع النفس وجنودها وما ستكون عليه نهايته انطلاقاً من استعداده الأوّل الذي خلقه الله عليه، وما هي الصعوبات التي يمكن أن تقابله في سبيل الوصول إلى الهدف، وما هو الهدف الذي يجب أن يصل إليه، وكيف يمكنه الوصول، وبمن يجب أن يستعين من أجل ذلك، ثم ما هي مهماته المترتّبة عليه بعد الوصول؟ فالهدف هو إخلاص العبوديّة لله تعالى كما فعل الأنبياء والأولياء الصالحون، وهذا يعني الفناء بالله عن كلِّ ما سواه، وليس ثَمَّ؛ وهذا يستدعي التحرّرَ من التعلّقِ بالأسباب والمسبّبات والتعلّقَ بخالقها وهو الله سبحانه وتعالى، ومن ثُمَّ التوكل عليه حقّ التوكل، وعبادته حقّ العبادة. فلو بحثت عن جميع الأسباب لوجدت أنها تعود إلى الله تعالى الذي هو خالق الأسباب والمسبّبات. فإن كان كذلك فهو الإله الواحد الأحد وما هذه الأسباب سوى مظاهر للحقّ ظهر بها للخلق عن طريق أسمائه الحسنى الفاعلة في الكون. فقارئ القرآن مثلاً يُقال عنه أنه يتلو كلام الله؛ فالحقيقة أن الله تعالى هو الذي يتكلّم على لسان هذا التالي، وكذلك كلُّ فاعل في الكون إنما يفعل بحولِ الله وبقوّته، كما قال الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [17]﴾، وكذلك يقول الله تعالى على لسان عبده في الصلاة: سمع الله لمن حمده، فيقول العبد اللهمَّ ربَّنا ولك الحمد.[16]

وما أحسن قول إمام العاشقين ابن الفارض في هذا الخصوص، إذ قال:[17]

 

تسبّبتُ في التوحيد حتى وجدتُه *** وواسطة الأسباب إحدى وسيلتي
ووحّدتُ في الأسباب حتى فقدتُه *** ورابـطة التوحيد أجدى طريقتي

 

 

 

يعني التوحيد الحقيقي وهو توحيد الفردانية توحيد الأنبياء والأولياء عليهم السلام؛ فمن تعلّق بالأسباب ووقف معها أشرك بالله تعالى ومن تسبّب في التوحيد بواسطة الأسباب أي بحث عن وحدة هذه الأسباب وأصلها، وجدها بعد أن يوحّد هذه الأسباب فيفقدها من كونها أسباب لرؤيته المسبِّب من وراء حجابها. فالتحقق بهذه الآيات والأخبار يقود إلى التوحيد الحقيقي وهو الفناء بالله عمَّا سواه من الصور الفانية لأن الكون بما فيه من محدَثات ما هو إلا حجاب ومن وقف عنده كان محجوباً به أو على الحقيقة حاجباً نفسه به أي كافراً؛[18] فإن وقف عنده على الإطلاق ونسب الفعل له على الإطلاق كان كافراً على الإطلاق نعوذ بالله من هذا الظلم والجهل الكبير، وإن وقف عنده بنسبةٍ ما كان كافراً بحسب هذه النسبة؛ وهذا حال أغلب الناس على اختلاف طبقاتهم، وإن لم يقف عند حجاب الكون على الإطلاق كان مؤمناً حقّاً حيث فني عن الدنيا بخالِقها، نسأل الله تعالى أن يذيقنا حلاوة الإيمان وكماله إنّه هو السميع الحكيم.

ثم بعد الفناء بالله يرجع العبد إلى الوجود وهو في الحقيقة لم يزل فيه ولكنّ الرجوع وهو ما يسمى البقاء بالله أو الوجود الحقّاني سيكون بشكلٍ مختلفٍ عمّا كان عليه من قبل لأنه أصبح منوّرَ الباطن يسمع بالله ويبصر بالله ويتكلّم بالله ويصمت بالله ويمشي بالله ويتحرّك بالله ويسكن بالله، كما قال الله تعالى في الحديث القدسي الشريف: ما تقرّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبّ إليَّ ممّا افترضتُ عليهِ وما يزالُ عبدي يتقرّبُ إليَّ بالنوافلِ حتى أُحبَّهُ فإذا أَحبَبْتُهُ كُنتُ سمعَهُ الذي يَسمعُ به وبصرَهُ الذي يُبصرُ به ويدَهُ التي يَبطُشُ بها ورِجلَهُ التي يمشي بها، وإنْ سألني لأعطينَّهُ ولئن استعاذني لأعيذنَّهُ.[19]

وهذه هي رحلة القلب من الوجود إلى الفناء ثم إلى البقاء. وهو في هذا السلوك بين الروح الذي يجذبه للأعلى إلى درجات الحقّ والقدس، والنفس التي تجذبه للأسفل إلى دركات الشيطان والرِّجس. والطريق طويل ولا بدَّ من دليل، والدليل هو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المبعوث رحمة لنا وللعالمين، وذلك من خلال اتّباع الكتاب والسنّة الصحيحة. ولَمّا توفيّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يبق لنا منه إلاّ الميراث وهو العلم والعلماء لأنّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرّثوا دِينَاراً وَلا دِرْهَماً، وَرّثوا العِلْمَ، فَمَنْ أخَذَهُ أخَذَ بِحَظّ وَافِرٍ.[20]‏ فهؤلاء العلماء العارفون الوارثون الذين سلكوا نهج رسول الله محمد صلّى الله عليه وسلّم وهم وإن فقدناهم حسّاً وجسداً فقد تركوا لنا صدقاتهم الجارية: علماً كثيراً يُنتفع به، فما لنا تُقدّم لنا هذه الصدقات على أطباقٍ من ذهبٍ وهي الكتب الرخيصة الثَّمن الغالية القدْر -أمثال كتب الشيخ محيي الدين ابن العربي وغيره من أهل الله- فنرفضها ولا نكترث بها!

فأرجو من الله تعالى أن يكون هذا الكتاب حافزاً قويّاً وباعثاً حثيثاً لمن يقرؤه ويتفهّم معاني فصوله وفقراته للسلوك وطلب الوصول بالاستعانة بالرسول صلّى الله عليه وسلّم وبمن هو على سبيله من العارفين بالله الذين يدعون إلى سبيل ربهم على بصيرة بالحكمة والموعظة الحسنة.

فهذا الكتاب محاولة لسدّ هذا النقص الحاصل عند أكثر المسلمين ألا وهو التمسّك بظاهر معاني الآيات القرآنيّة وإهمال معانيها الباطنيّة، ونحن لا ندعو أبداً لترك أو تجنّب ظاهر القرآن الكريم كما هو مذهب الباطنيّين بل نحضّ على التمسك به، ثم بالإضافة إلى ذلك النظر في الاعتبارات الباطنيّة واستنتاج العلوم والمعارف منها. فالأحكام تؤخذ من ظاهر معاني آيات القرآن الكريم والأحاديث النبويّة الشريفة، كما فعل ذلك أئمّة المسلمين على مذاهبهم المختلفة. فهذا ما يجب الأخذ به والأمر بأوامره والنهي بنواهيه كما هو معروف لدى الفقهاء والعلماء بهذا الشأن. ومن التأويل نأخذ العلوم والمعارف عن طريق أهل الله العارفين بالله الذين غاصوا في بحار العلم اللدنّي فأخرجوا لنا منه الجواهر والدرر وقدّموها لنا على قدر أفهامنا فلا يجوز لنا تركها وإهمالها طالما أنها لا تتعارض مع الكتاب والسنة والإجماع.

وهذا الكتاب يبيّن العلاقة بين القلب والروح والنفس من خلال المعاني الباطنية كما يمكن تأويلها من سورة يوسف، فيُطلعنا بالإضافة إلى قصّة سيّدنا يوسف عليه السلام المشهورة مع أخوته وأبيه وامرأة العزيز، على أنَّ القلب كذلك محسودٌ من قِبل القوى النفسانية والبدنية ومحبوب حبّاً روحانيّاً من قِبل العقل والرّوح، ومحبوب حبّاً طبيعيّاً شهوانيّاً من قبل النفس الأمّارة بالسوء. وهو يريد أن يسلك طريق الحقّ للفناء عن الكون في عين الوحدة والبقاء في عالَم الحقّ والقدس والارتقاء عن رجس الشهوات والملذّات الطبيعيّة والرغبات النفسانيّة والتسويلات الشيطانيّة، فتمنعه النفس بجنودها الكثيرة كالوهم والشهوة والغضب والهوى وتكيد له وتجذبه النفس الأمارة لتقضي وطرها منه وهو يأبى ذلك ويفضّل الخلوة في السجن للسلوك بعيداً عن هذه الشواغل حتّى يوفّقه الله تعالى لأنّه اصطفاه في الأزل لذلك ووضع فيه الاستعداد لقبول التجليّات الإلهيّة. وبعد أن يصل إلى الفناء بالله عن الكون يمنحه الله وجوداً حقانيّاً وبقاءً سرمدياً فيعود ويملّكه الله أرض البدن والنفس لينقذ من فيها ويزكّيهم. ويكون له ذلك فالنفس التي كانت أمّارة بالسوء ترتقي إلى درجة النفس المطمئنّة ويصبح حبّها للقلب حبّاً روحانياً لا حبّاً طبيعياً شهوانياً، والقوى النفسانية التي كانت تتعلّق بالموادّ والشهوات الفاسدة والمفسِدة تصبح قوىً روحانيةً ترنوا إلى تحصيل ثمرات العلوم والمعاني القدسية فتسموا بعلمها وترتفع درجاتها، كما قال الله تعالى في هذه السورة: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [76]﴾.

وهذا الكتاب مبنيّ على مقدمة وخمسة فصول مع بعض الملحقات، فهذه هي المقدمة توطئة للدخول في موضوع الكتاب وشرح لما يوحي به عنوانه. أمّا الفصل الأول فهو مخصّص لدراسة معاني التأويل والفرق بينه وبين التفسير وضرورة الأخذ بالتأويل والتفسير معاً حتى لا نضيع حقّ القرآن ونستفيد منه على أكمل وجه. والفصل الثاني فيه شرح مستفيض للمملكة الإنسانية التي هي الإنسان بما فيه من جسد وروح ونفس وعقل وقوى أخرى، وفي هذا الفصل سرد للمضاهاة بين الإنسان والعالَم بالإضافة إلى بعض الأمور المهمّة لفهم النفس الإنسانيّة ومجاهدتها ومحاربَة الشيطان ومعرفة الخواطر وتمييز الخواطر الشيطانيّة عن الخواطر النفسية والخواطر الملكية. أما الفصل الثالث فهو مدخل لفهم معنى السلوك والطريق إلى الله تعالى وتبيين معنى الفناء بالله والبقاء بالله الذي موضوع تأويل سورة يوسف وفي هذا الفصل أيضا نشرح المعاني المختلفة للتوحيد والفردانيّة وبعض أسماء الله تعالى وصفاته. وفي الفصل الرابع نسرد قصة يوسف عليه السلام كما وردت في القرآن الكريم وكما نُقلت في كتب قصص الأنبياء وكتب التاريخ الأخرى، وذلك لكي يكون عندنا تصوّر دقيق عن مجريات القصة الحقيقية ليكون فهمنا لتأويلها أسهل وأوسع. وفي الفصل الخامس والأخير فهو نقوم بشرح التأويل الصوفي لقصّة يوسف عليه السلام وهي كما قلنا مثال لسلوك القلب للاعتبار والإفادة منه في تطبيقه على أنفسنا لنخلّصها من استيلاء القوى الشيطانية والنفسانية الدنيئة ونسلك بها طريق النجاة التي دلّنا عليها ورسمها لنا رسول الله محمد صلّى الله عليه وسلّم. ولقد ألحقت في هذا الكتاب سرداً لأهمّ المصادر التي اعتمدتها بالإضافة إلى بعض المراجع التي تخصّ الموضوع ليراجعها من يريد المزيد.

وهذا الكتاب في الحقيقة هو طبعة جديدة لكتاب "شرح تأويل الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي لسورة يوسف (سلوك القلب من الوجود إلى الفناء ثم البقاء)" والذي طبع سنة 1998/1999، ولقد رأيت بعد عدّة سنوات أن أعيد نشره مع تعديلات كثيرة وجذريّة أدّت حتى إلى تغيير في عنوانه ليكون "التأويل الصوفي لسورة يوسف (سلوك القلب من الوجود إلى الفناء ثم البقاء)" وذلك لتصحيح بعض الأخطاء التي وردت في الطبعة الأولى وإضافة بعض الشروحات والموضوعات المهمّة وإتمام النقص وتوخّي الدقّة والموضوعيّة حتى تكون الفائدة منه أكبر وأفضل. وقد حذفت اسم الشيخ محيي الدين ابن العربي من العنوان لأنّ هذا الكتاب يعتمد بشكل رئيسي على كتاب تفسير ابن العربي والذي يبدو أنّه لأحد تلاميذه وهو عبد الرزّاق القيشاني، ولو أنّه ما استقاه إلاّ من بحور علوم الشيخ الأكبر كما شرحنا من قبل في الفصل الأوّل من الطبعة الأولى من هذا الكتاب والذي حذفناه هنا لأنّه كان مخصّصاً للتعريف بالشيخ محيي الدين ابن العربي حيث تمّ مؤخّراً بعون الله تعالى إصدار كتاب شمس المغرب وهو سيرة مفصّلة للشيخ محيي الدين رضي الله عنه فليراجع هناك لمن يريد التعرّف على هذا العالِم الجليل.[21] فنحن كذلك رغم أنّنا نعتمد هنا وخاصّة في الفصل الخامس على كتاب تفسير ابن عربي للمؤلّف عبد الرزّاق القيشاني إلاّ أنّ بقيّة الكتاب تعتمد على الكتب الكثيرة الأخرى للشيخ محيي الدين مثل الفتوحات المكيّة وغيرها من الكتب والرسائل الصغيرة كما سنذكرها في موضعها.

فهذا الكتاب بين يديك وما نقول أننا بلغنا فيه حدّ الكمال، فالثغرات كثيرة لمن أراد أن ينتقد، والفوائد كثيرة وجليلة لمن أراد أن يستفيد!

وإني إذ أنهي كتابة هذه المقدمة قبل أن أرسل الكتاب للطبع والنشر بإذن الله تعالى، أسأله تعالى وأدعوه وأتوسّل إليه بصاحب الوسيلة والشفاعة محمّد صلّى الله عليه وسلّم أن يقيّض له من يستفيد منه ليكون له نوراً يهدي بهداية نبيّنا محمد صلّى الله عليه وسلّم إلى الصراط المستقيم وحافزاً لقارئه على سلوك سبيل الحقّ كما رسمها لنا رسول الله محمد صلّى الله عليه وسلّم وأتباعه من الصحابة والتابعين والصالحين وكما قال الله تعالى في آخر سورة يوسف: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [108]﴾.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

 

==========

 

[1] أخرجه ابن سعد في الطبقات وأبو نعيم في الحلية عن أبي قلابة قال قال أبو الدرداء: "إنك لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها"، انظر في: "الدر المنثور في التفسير بالمأثور"، للإمام جلال الدين السيوطي، (دار الفكر: بيروت، 1983)، ج1ص40.

[2] ذكر الإمام عبد الرؤوف المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير حديثاً رواه الطبراني والبغوي في شرح السنّة عن ابن مسعود مرفوعاً، قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل حرف (في رواية لكل آية) منها ظهر وبطن ولكلّ حرف حدّ ولكلّ حدّ مطّلع." ثم قال إنّ ظهره ما ظهر تأويله وعُرف معناه وبطنه ما خفي تفسيره وأُشكل فحواه أو الظهر اللفظ والبطن المعنى، أو الظهر التلاوة والرواية والبطن الفهم والدراية. انظر في: فيض القدير (مكتبة نزار مصطفى الباز: مكة المكرمة، 1998)، حديث رقم 2727.

[3] تفسير ابن عربي، تحقيق الدكتور مصطفى غالب (دار الأندلس: بيروت، 1987)، ج1ص4.

[4] انظر في: عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، للمؤلف: ابن أبي جمهور الأحسائي (توفي سنة 880 هجرية)، تحقيق: الشيخ مجتبى العراقي (مطبعة سيّد الشهداء: إيران، 1403 هجرية)، ج4ص117.

[5] انظر مثلاً في الفتوحات المكية (ج1ص654).

[6] انظر مثلاً في كتاب قواعد العقائد للإمام محمد الغزالي، تحقيق موسى محمد علي (عالم الكتاب: بيروت، 1985)، ص117، 118، 139، 242.

[7] لطائف المنن، تأليف: الإمام ابن عطاء الله السكندري، قدَّم له وعلَّق عليه: الشيخ خالد عبد الرحمن العك (دار البشائر: دمشق، 1992)، ص183-184.

[8] الفتوحات المكية: ج1ص654.

[9] ديوان الإمام علي: ص179.

[10] انظر في كنز العمال: حديث رقم 1141-1150 وحديث رقم 15129

[11] انظر في كنز العمال: حديث رقم 1148 و13220.

[12] الفتوحات المكية: ج1ص106س9، ج1ص200س8، ج1ص216س14.

[13] الفتوحات المكّيّة: ج1ص124س13.

[14] الفتوحات المكية، ج3ص343س25.

[15] الفتوحات المكّيّة: ج1ص97س26.

[16] ورد في الحديث الطويل عن أبي موسى الأشعري: فَإِنّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيّهِ صلى الله عليه وسلم: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ. انظر في ‏صحيح مسلم، الجزء الأول، باب التشهد في الصلاة، الحديث رقم 62. وانظر أيضاً في ‏سُنَنُ أبي دَاوُد، الجزء الأول، تفريع أبواب التشهد، الحديث رقم 972.

[17] ديوان ابن الفارض، تحقيق د. عبد الخالق محمود (القاهرة: دار عين للدراسات الإنسانية والاجتماعية، 1995), ص306، البيت722.

[18] المعنى العام لكلمة "الكفر" هو الستر والغطاء وليست فقط صفة لأولئك الذي لا يؤمنون بما جاء به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكلّنا على الحقيقة كافرون بنسبة معيّنة حينما لا ننسب الأشياء إلى خالقها ونشهد ذلك ببصيرتنا، بل نحن نعتمد على الأسباب وننسى خالقها كمن يدعو مع الله إلهاً آخر، ولو أنَّنا والحمد لله نقرُّ ونشهد أنَّه لا إله إلاَّ الله.

[19] صحيح البخاري، الرقاق، حديث رقم: 6021.

[20] سنن أبي داود، الإمام الحافظ أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية-بيروت، 1970، كتاب العلم، ص317، حديث رقم: 3641.

[21] شمس المغرب: سيرة الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي ومذهبه، تأليف د. محمد علي حاج يوسف، دار فصّلت، حلب، 2006.

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





هناك شيوخ أولياء متخصصون، وكلٌّ منهم حسب زمانه ومكانه، والأشخاص اللذين حوله، ولكلِّ زمان أولياء صالحون، ولا يعلمهم إلا صاحب الهدف.
فضيلة الشيخ الدكتور رمضان صبحي ديب الدمشقي [الفصل السابع من كتاب إيجاز البيان عن سيرة فضيلة الشيخ رمضان - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!