الكون والزّمن بين الفلسفة والعلم الحديث (الجزء الأول)

 

الكون والزّمن بين الفلسفة والعلم الحديث

ملاحظة: هذا المقال مؤلف من ثلاثة أجزاء، فهذا الجزء الأول يتحدث عن علم الكون والجزء الثاني والثالث يتحدثان عن الزمن.

نشر هذا المقال في العدد (18) من مجلة الإمارات الثقافية

 

مقدّمة

يُعدُّ علم الكون موضوعاً أساسياً في جميع الأديان والكتب السماوية، تلبية لحاجة الإنسان لإشباع فضوله في معرفة ما حوله، ولا تخلو حضارة إلا وفيها الكثير من المفكرين والفلاسفة والعلماء والأدباء والشعراء الذين أمضوا جل حياتهم في التفكر في العالم وأصل التكوين. ولقد تنوعت وتدرجت رؤية الحضارات للعالم ما بين الخرافات الباطلة والنظريات التي تقارب الحقيقة بدرجات متفاوتة. وعلى الرغم من التطور الهائل في أجهزة الرصد وسبر الفضاء بالأقمار الصناعية والمركبات الفضائية والمراصد الفائقة الدقة على الأرض وفي الفضاء والحاسبات السريعة، فلا تزال رؤيتنا للعالم قاصرة، بل يمكن القول أيضا أنه رغم الكمّ الهائل من المعلومات والصور التي تصل من المراصد المختلفة والتي تحتاج لسنوات مديدة من أجل تحليلها وفك ألغازها ورموزها مع استخدام أسرع الحاسبات، إلا أن الصورة الكلية للعالم تزداد تعقيدا ويزداد جهلنا بالعالم بشكل أسرع من زيادة علمنا به.

ويُعدّ الزّمان (وكذلك المكان) من أهم القضايا الأساسية في الفلسفة وعلم الكون، حيث إنّ الوجود ما هو إلا سلسلة متتالية من الأحداث في الزّمان والمكان. ورغم أن كلَّ الناس يشعرون بالزّمان ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ولكن أكثر الناس لا يعرفون ماهيّته ولا حتى يتساءلون عنها لأنه أصبح أمراً معتاداً ومألوفاً. ولكنّ الحقيقة أن فَهمَ الطبيعة الفلسفية للزمان وخصائصِه أمرٌ يحتاج إلى التمعّن والتفكّر كثيراً، وهو الأمر الذي تصدّى له الكثير من الفلاسفة والعلماء عبر التاريخ من غير نجاحٍ واضحٍ حتى الآن.

 

 

علم الكون

إنّ علم الكون (الكوزمولوجيا cosmology)  هو العلمُ الذي يدرسُ الكونَ من حيث نشأته وبنيته وتطوّره، والكونُ هو هذا العالَم الذي نعيش فيه بما يحويه من مادّة مرئيّة وغير مرئيّة وكذلك من عوالم أخرى كالجنّ والملائكة رغم أنّ أكثر هذه العوالم لم تدخل بعدُ تحت مظلة الأبحاث العلمية.

ولقد استُعملت كلمة الكون (cosmos) في الفلسفة اليونانية القديمة بمعنى التمايز والنظام والانسجام (وأيضاً: الجمال) وهي عكس كلمة الفوضى (chaos) التي تعني أيضاً عدم التمايز والعشوائية. وهذا المعنى ينطبق أيضاً إلى حدٍّ كبيرٍ على الكلمة العربية "الكون": من التكوين أي التشكيل أي إعطاء شكلٍ محدّدٍ لشيءٍ كان غير متشكّلٍ أو غير متمايزٍ أي غير متكوّنٍ؛ وكلُّ ذلك يعود بأصله لرؤية فلسفيّة قديمة للخلق، حيث إنّ بعض النظريّات القديمة تعتبر أن العالَم كان موجوداً بشكلٍ غير متمايزٍ ثم تكوّن على ما هو عليه الآن في هذا الشكل الجميل والنظام البديع.

 

خلاصة النظريّات الكونية عبر التاريخ

ظهرت عبر تاريخ الفلسفة والعلم الحديث العديدُ من وُجهات النظر المختلفة حول ماهيّة الزّمان (وكذلك المكان) ولكنّ الأمر ما يزال بعيداً عن التحقيق وما يزال كشف حقيقة الزّمان حلمَ كلّ فيزيائي وفيلسوف، خاصّة مع توصُّل النظريّات الحديثة إلى النتيجة المهمّة والمقلقة أنّ فهم الزّمن هو المفتاحُ الأساسي لفهم العالَم.

لقد قام الكتّاب والمترجمون العرب بدراسة علم الفلك كما نشأ في الحضارات القديمة ثم تطور في الحضارة الإسلامية من خلال الفلاسفة وعلماء الكلام الذين اعتمدوا على النماذج السابقة (مثل بطليموس وأرسطو) التي تبنّت النموذج الأرضي (Geocentric) الذي يَعدّ الأرض مركزاً للعالَم.  ثم انتقلت هذه العلوم إلى أوربا بدءاً من القرن الثاني عشر الميلادي، لكنّ الكنيسة الكاثوليكية التي قرّرت أن تتبنّى النموذج البطليموسي الذي يعدّ الأرض مركزاً للعالَم عدَّت العلماء الذين ينتقدون هذا النموذج زنادقةً وملحدين.

من أجل ذلك لم يستطع العالِم البولندي نيكولاي كوبرنيكوس (1473-1544) إعلان نموذجه الذي يعدّ الشمس مركزاً للعالَم إلا بشكل سرّي، ولم ينشر كتابه (De Revolutionibus Orbium Caelestrium) [حول دوران الأجرام السماوية] حتى سنة 1543، أي قبل سنة واحدة فقط من وفاته.

في هذا النموذج، يفترض كوبرنيكوس أنّ الشمس والنجوم ثابتة وأنّ الأرض والكواكب تدور حول الشمس في مداراتٍ دائرية منتظمة.  ولقد بقي الأمر هكذا دون تطوّر ملحوظ حتى سنة 1609، عندما اخترع غاليلو المنظار، حيث بدء النموذج الأرضي (geocentric الذي يعدّ الأرض مركزاً للكون) يُستبدل بالنموذج الشمسي (heliocentric).  وفي حوالي نفس التاريخ (1609-1619)، صاغ العالم جوهانز كبلر ثلاثة قوانين رياضية تصفُ دوران الكواكب بدقّة حول الشمس. ثم في سنة 1687، في كتابه الرئيسي (Philosophiae Naturalis Principia Mathematica) [المبدأ الرياضي في الفلسفة الطبيعية] استطاع إسحق نيوتن تقديم نظريّة شاملة تدعمُ نموذج كوبرنيكوس الشمسي وتُوضّحُ كيفيّة تحرّك الأجسام في المكان والزّمان، وهي نظريّة الجاذبيّة المشهورة.

كانت ميكانيكا نيوتن وقوانينُه جيدة بما فيه الكفاية لكي تفسّر حركة الأجرام في النظام الشمسي، ولكن نيوتن كان مخطئاً تماماً حينما اعتبر، مثل أرسطو، أن النجوم ثابتة وأن الكون الذي هو خارج النظام الشمسي ساكن لا يتحرك. على الرغم من أن ديناميكية الكون يمكن أن تُستنتج بسهولة من خلال نظريّة الجاذبية، ولكن الاعتقاد العميق بالكون الأرسطوطاليسي الساكن كان قوياً جدّاً بحيث استمرّ لثلاثة قرون بعد نيوتن وانطلى حتى على آينشتاين أثناء صياغته الأولى لنظريّة النسبيّة.

في سنة 1718، قام ادموند هالي برصد النجوم وقارن مواقعها مع المواقع التي سُجّلت من قبل البابليين والفلكيين القدماء الآخرين فأدرك أنّ مواقع بعض النجوم ليست تماماً كما كانت عليه قبل آلاف السنين؛ فبعض هذه النجوم قد غيّرت مكانها بالنسبة للنجوم المجاورة بمقدار صغير ولكنه كان ملحوظاً وواضحاً. في عام 1783، اكتشف وليام هيرشيل الحركة الشمسية، أو حركة الشمس بالنسبة إلى النجوم المجاورة، وبيّن هيرشيل أيضاً أنّ الشمس والنجوم الأخرى تنتظم مثل قرص الرحى وهو ما سمّي فيما بعد بمجرة درب التبّانة.

بعد أكثر من قرن، في عام 1924، استطاع هابل قياس المسافات إلى بعض النجوم (مستنداً على مبدأ انحراف الطيف نحو الأحمر redshift)،  وبيّن أنّ بعض النقاط اللامعة التي نراها في السماء ونحسبها نجوماً هي في الحقيقة مجرات أخرى تشبه مجرتنا، ولكنها تبدو صغيرةً جداً بسبب بعدها السحيق في عمق الفضاء.

من جهة أخرى فإنّ اكتشاف انحراف الضوء القادم من النجوم نحو الطرف الأحمر من الطيف لم يكن له أيّ تفسير سوى أنّ هذه النجوم تتحرّك بسرعة كبيرة مبتعدة عنّا، وهو ما عُرف لاحقاً بتمدّد الكون.

وبذلك فإن النظريّة الأرسطوطاليسية للكون الساكن قد انهارت تماماً، وأصبح من المؤكد أن جميع الأجرام في الفضاء هي في حركة دائمة كما يقول الله تعالى في سورة يس ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُون [40]﴾.

يقول ستيفن هوكنج في كتابه الشهير (موجز تاريخ الزّمن):

حتى آينشتاين، عندما صاغ النظريّة العامّة للنسبية في عام 1915، كان واثقاً أن الكون لا بدّ أن يكون ساكناً بحيث إنّه عدّل نظريته لجعل ذلك ممكناً، فأضاف ما يسمّى بالثابت الكوني إلى معادلاته.

بالطبع لم يكن ذلك صحيحاً ويعرف الجميع الآن أنّ الكون في حركة مستمرة، وآينشتاين نفسه اعتبر لاحقاً أن ذلك كان من أكبر أخطائه. وتجدر الإشارة هنا إلى أن ابن العربي أعلن بوضوح تامّ أنّ النجوم لا يُمكن أن تكون ثابتة بل وأعطى أرقاماً لسرعة حركتها تُعتبر دقيقة ومتّفقة مع آخر القياسات الدقيقة.

بعد ذلك وبوصول التقنيات الإلكترونية الحديثة التي استُخدمت في الأرصاد بالإضافة إلى التجارب الكثيرة في الفيزياء وعلم الفلك استُبدلت النظريّات القديمة بنظريّات حديثة أكثر دقةً واتفاقاً مع الواقع، ولكن لا نستطيعُ الادّعاء أبداً أننا وصلنا إلى صورة صحيحة وكاملة عن الكون. على العكس من ذلك، فإنّ أسئلة كثيرة جديدة أكثر عمقاً لا تزال تحيّر العلماء، مثل المادة المُظلمة (المادّة السوداء black matter) ومتناقضة إي بي آر (Einstein-Podolsky-Rosen Paradox).

فمع الكمية الكبيرة من البيانات التي جُمعت بالمراصد والمكوكات الفضائية في العقود الأخيرة، ظهرت العديد من النظريّات الجديدة لمُحاولة تفسير تلك الملاحظات، ودائماً كان مفهوم الزّمان والمكان من أهم الموضوعات التي حازت على اهتمام العلماء خاصّة بعد الأفكار الغريبة والشجاعة لآينشتاين حول الزمكان ونسبيّته وتحدّبه والتي أُثبتت من قبل أدينغتون (Eddington) من خلال ملاحظته للكسوف الكليّ للشمس في عام 1918 في جنوب أفريقيا.  منذ ذلك الحين، نشأت نظريّات أخرى مثل ميكانيكا الكمّ ونظريّة الحقول ونظريّة الأوتار الفائقة ونظريّة الجاذبية المكمّمة، لمحاولة اكتشاف ووصف العلاقة الفعلية بين الأجسام المادية والطاقة من جهة، وبين المكان والزّمان من جهة أخرى. ورغم أننا لم نصل إلى نتائج نهائية ولكنّ الإنجازات كانت عظيمة وقد تغيّرت رؤيتنا للعالَم كثيراً فزادت دقةً وتعقيداً على حدّ سواء.

 

علم الكون الحديث

لقد تطوّرت رؤيتنا للكون كثيراً منذ زمن كوبرنيكوس وازدادت دقةً وتعقيداً، ولا يمكننا هنا شرح جميع النظريّات المعقّدة الحديثة لعلم الكون، ولكنّنا سنقوم بتلخيص الصورة الحاليّة للكون كما يراه العلماء، والتي ترجعُ فقط إلى حدود عام 1924، عندما قام ادوين هابل بإثبات أنّ مجرّتنا ليست هي المجرّة الوحيدة؛ فالعديد من النقاط المضيئة الخافتة التي نراها في السماء هي في الحقيقة مجرّات أخرى كبيرة كمجرّتنا، ولكنّنا نراها صغيرةً جداً فقط لأنها بعيدةٌ جدّاً في عُمق الفضاء كما نوّهنا أعلاه.

بسبب تأثير قوة الجاذبية، فإن كُلّ شيءٍ في السماء يتحرّكُ أو يدور حول نقطةٍ ما في الفضاء؛ فالقمرُ يدور حول الأرض، والأرض مع قمرها والكواكب الأخرى تدور حول الشمس، والشمس أيضاً مع كواكبها تدور مع مئات الآلاف من ملايين النجوم الأخرى حول مركز مجرة درب التبّانة التي تُعتبر إحدى آلاف ملايين المجرات التي تسبح جميعها في أعماق الفضاء الرحب.

من أجل أن نعطي صورة فراغية لهذا الكون الهائل، من الأفضل استعمال وحدات كبيرة للمسافة بدلاً من أن نستعمل أعداداً كبيرة. إنّ أفضل الوحدات المقبولة للمسافة في علم الكون هي السنة الضوئية وهي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة، وتعادل تقريباً 9,500,000,000,000,000 متراً (أي حوالي عشرة آلاف مليون مليون متر).

إنّ الضوء الذي يسيرُ بسرعة 300,000 كيلومتراً بالثانية يُمكنُه أن يدُور حول الأرض سبع مرّات في الثانية الواحدة، لكنّه يستغرقُ أكثر من ثمانية دقائق حتى يصلنا من الشمس التي تبعد عنا حوالي 150 مليون كيلومتر، في حين أنّ النجم الأقرب إلينا ما عدا الشمس (وهو القنطوري Proxima Centauri) يبعد عنا أكثر من أربعة سنين ضوئية. من جهة أخرى فإنّ مجرّتنا، مثلها مثل أكثر المجرّات الأخرى، عبارة عن مجموعة من حوالي 200 ألف مليون نجم بالإضافة إلى آلاف العناقيد والسدم التي تُشكّل سويّة قرصاً يبلغ قطره أكثر من مئة ألف سنة ضوئية وسمكه حوالي خمسة عشر ألف سنة ضوئية، والمجرّة الأقرب إلينا تكمنُ في برج المرأة المسلسلة (Andromeda)، وهي تبعد مسافة حوالي ثلاثة ملايين سنة ضوئية عن مجرّتنا. ثمّ هناك مجموعات من المجرّات مُجمّعة في عناقيد غير منتظمة تختلفُ كثيراً في الحجم بين الملايين إلى مئات ملايين السنوات الضوئية. وتعتبر الكوازارات (quasars)،  وهي نجوم فلكية راديوية بعيدة جدّاً، من أبعد الأجسام حتى الآن وتبعد حوالي 13 ألف مليون سنة ضوئية. وهذه الأعداد التي قدّمناها هنا تقريبية فقط لإعطاء فكرة عن موقعنا من هذا العالم الرحب الفسيح.

ومن المعروف أيضاً اليوم أنّ كل شيء في الكون يتحرّك: فالنجوم القريبة تتحرّك نحو مركز المجرة ولكنّ حركتها لا تُدرك بالعين المجرّدة. والمجرات تبتعدُ عنا أيضاً، لأنّ الكون يتوسّعُ.

من الناحية الأخرى، وعلى الرغم من هذه الحركات، والمسافات الساحقة، فإن الكون رغم أنّه متناهٍ ولكن ليس له مركز أو حدود ولا حافّة. من الصعب تخيُّل ذلك، ولكنّ الكون محتوىً في نفسه أو محدّب على نفسه بحيث لو أننا سافرنا مباشرة في اتّجاهٍ واحدٍ وخطٍّ مستقيمٍ فإننا سنعود من الجهة الأخرى (إذا عشنا بما فيه الكفاية)، تماماً كما يحدث على سطح الأرض أنّ من يسير مثلاً غرباً بخطٍّ مستقيمٍ سوف يصل من جهة الشرق لنفس النقطة التي انطلق منها، مع إهمال التغيرات الجغرافية بالنسبة للأرض والتغيرات الجاذبية بالنسبة للكون من أجل التقريب.

إنّ النجوم التي نراها في السماء هي، مثل شمسنا، مفاعلات انشطار نووي ضخمة تُحوّلُ الهيدروجين بشكلٍ مستمرٍّ إلى العناصر الأثقل وتُنتج بذلك الأمواج الكهرومغناطسية (الحرارة والضوء) التي نعيش عليها. ولكنْ ليست كُلّ النجوم متساوية؛ فالبعض كبير والبعض صغير، والبعض فتيّ والبعض مسن، والبعض لامع والبعض خافت. وأيضاً، فإنّ العديد من النجوم تمُوتُ في كل وقت والعديد غيرها يولد في عملية دائمة من التطور المعقّد جدّاً، والتي لا يسع المجال هنا للخوض في تفاصيلها.

وعلى ضوء ما سبق، فكيف نستطيع فهمَ كُلّ هذه البنية المعقّدة للكون وفقاً للنظريّات الجديدة ؟

 

خلاصة النظريّات الحديثة في علم الكون

نحن لا نستطيعُ هنا مُناقشة كُلّ النظريّات المختلفة في الفيزياء وعلم الكون، لكنّنا نُريد بسرعة تلخيص المبادئ الأساسية للنماذج المختلفة للكون، فبعد الاكتشافات المُدهشة والكمية الهائلة من البيانات التي حصل عليها العلماء من خلال المراصد والمركبات الفضائية، ومع نجاح نظريّات النسبية وميكانيكا الكم، حاول العلماء تطوير نموذج كوني يفسر الظواهر الطبيعية والكونية لتوضيح أصل الكون وبنيته استناداً إلى المعلومات الجديدة. سوف نقوم هنا بتلخيص هذه النظريّات الرئيسية للفيزياء وعلم الكون كما تطوّرت في القرن الماضي.

كما أشرنا أعلاه، كان العلماء حتى بداية القرن العشرين يؤمنون أن الكون ساكنٌ خارج النظام الشمسي، وهو ما عُرف بنموذج أو نظريّة الحالة المستقرة (steady state theory)، لكن ذلك أثبت عدم صحته خاصة مع اكتشاف تمدد الكون بعد قياس أطياف النجوم وملاحظة انحرافها نحو الأحمر.

في الحقيقة فإن نفس النظريّة التي حاول آينشتاين أوّلاً أن يجعلها تفسّر سكون النجوم أثبتت لاحقاً أنّ الكون يتوسّعُ مما يعني أنه بدأ في لحظة معينة، قبل حوالي خمسة عشر ألف مليون سنة، من نقطة صغيرة جدّاً، لكن بكثافة عالية جدّاً، وبعد ذلك توسّع إلى حالته الحالية. هذه الرؤية دُعيت باسم "الانفجار العظيم" (big bang)، والعديد من النماذج الكونية طُوّرت استناداً على هذه النظريّة.

لقد حاولت نظريّة الحالة المستقرة تفسير توسّع الكون بافتراض وجود خلق مستمر للمادة مما يملأ الفضاء ويؤدي إلى هذا التوسّع، لكنّ اكتشاف الإشعاع الخلفي للأمواج الميكروية (microwaves background radiation) في عام 1965 أدّى إلى انهيار نموذج الكون المستقر كلّيّاً لصالح نظريّة الانفجار العظيم، حيث فُسّر الإشعاع الخلفي على أنه الانعكاس المتبقّي من الانفجار العظيم، كما تنبّأ بذلك ألفر وهيرمان من قبلُ في عام 1949.

إن المشكلة الوحيدة بالنسبة للإشعاع الخلفي أنه كان متجانساً في جميع الاتجاهات، لأنه مع هذا التجانس لا يمكن تفسير نشأة النجوم والمجرات كما هو الأمر في الواقع.  فقط في سنة 1992 استطاع القمر الصناعي المستكشف لناسا (COBE) اكتشاف أوّل عدم تجانس في هذا الإشعاع الخلفي؛ عبارة عن جزء واحد في مائة ألف، مما قد يُشيرُ إلى البذور الأولى التي تشكلّت منها المجرّات.

لقد كان نموذج الانفجار العظيم ناجحاً جدّاً في تفسير العديد من الملاحظات والأرصاد، رغم ما فيه من التناقضات التي حاول بعض العلماء حلّها، وقد تمّ بالفعل حلّ العديد من هذه التناقضات من خلال السيناريو التضخّمي (inflation scenario) الذي ابتكره ألان غوث في عام 1979 حين فرض أنّ تمدد الكون في اللحظات الأولى من الخلق (عند حوالي 10-32 إلى 10-43 من الثانية) قد تمّ بشكل تصاعدي نتيجة الكثافة الكبيرة والضغط العالي الذي كان فيه، ولكن لا تزال هناك أمور كثيرة عالقة لا يمكن تفسيرها وفق هذا النموذج. من أجل ذلك بدأ العلماء يفكرون بنظريّات أخرى لحل هذه المشكلات، وكان لا بدّ من سبر إمكانيات ميكانيكا الكمّ الذي قد بدأ يثبت جدارته على المستوى الذرّي.

حسب علم الميكانيكا التقليدي (المعتمد على قوانين نيوتن)، يُمكنُ أن نتوقّع سلوك أي نظام أو جملة إذا عرفنا حالتها الأوّلية بالضبط. في حين أننا في ميكانيكا الكمّ يُمكنُنا فقط أن نحسب احتمال وجود النظام في حالة معينة مستقبلية. وفي جميع الأحوال فإنّ المشكلة الرئيسية في علم الكون هي تحديد الحالة الأوّلية التي كان عليها العالم والتي سنطبق عليها هذه القوانين (سواء التقليدية أو الكميّة). لقد كانت الإستراتيجية الناجحة للتغلّب على هذه المشكلة هي العمل العكسي، أي استنتاج الحالة الأوّلية من خلال معرفة الحالات الحالية. إنّ المشكلة الأساسية في النموذج التضخّمي هي أنّها تفترض أن الكون كان يحوي بعض المادة في حالة إثارة عالية، ولكن كيف وصلت المادة إلى هذه الحالة! للإجابة على هذا السؤال حاول بعض العلماء تطبيق ميكانيكا الكمّ على الكون بأكمله، والنتيجة كانت نظريّة علم الكون الكمّي (quantum cosmology).

إنّ ذلك قد يبدو سخيفاً في البداية، لأنّ الأنظمة الكبيرة (مثل الكون) تطيعُ عادة علم الميكانيكا التقليدي (بما في ذلك النظريّة النسبيّة) وليس الميكانيكا الكمّي الذي يطبَّق عادة على المستوى الذرّي فقط. والمشكلة هنا أنّ النظريّة النسبية تتناقضُ في بعض الجوانب مع مبادئ نظريّة الكمّ، فكيف يمكن تطبيق هاتين النظريتين معاً وهما متناقضتان.

في الفيزياء الكمّية يمكن حساب الحالة التي سيكون عليها النظام في المستقبل (بشكل احتمالي) من خلال ما يُعرف باسم تكاملات المسار (Path Integrals) التي تمّ تطويرها من قبل ريتشارد فاينمان الفائز بجائزة نوبل. من خلال هذه الطريقة فإنّ الاحتمال الذي سيكون عليه النظام في حالة نهائية ناتج عن جمع المساهمات الفعالة من كُلّ مرحلة من تاريخ تطوره من الحالة الابتدائية إلى هذه الحالة النهائية. يتمّ عادة في الأنظمة الكبيرة (كالكون مثلاً) إلغاء المساهمات المتماثلة وفي النهاية يُعدّ أحد هذه المساهمات هو الذي له التأثير الملحوظ، وهو الذي تتوقعه عادة الفيزياء التقليدية. يكون الكون عادة موصوفاً في أيّ لحظةٍ بهندسة الأبعاد المكانية الثلاثة بالإضافة إلى أيّ حقول أخرى كالطاقة مثلاً، فإذا طبّقنا طريقة تكاملات المسار عليه يمكننا استنتاج الحالة التي سيكون عليها في أيّ مرحلة تالية، ولكنّ هذه الطريقة ما زالت تتطلّبُ معرفة الحالة الأوّلية (boundary condition).

للتغلب على هذه المشكلة قام ستيفن هوكنج وجيمس هارتل سنة 1983 بتطوير نظريّة في علم الكون الكمّي أصبحت تُعرف باسم "اقتراح نفي الحالة الأوّلية" (no-boundary proposal). من الناحية العملية فإنّ حساب الاحتمالات التي سيكون عليها النظام في علم الكون الكمّي باستخدام تكاملات المسار أمرٌ صعبٌ للغاية، ولا بدّ من استخدام التقريب. أحد الطرق المستخدمة للتقريب في هذا المجال يسمى بالتقريب النصف تقليدي، لأنّ صلاحيته تقع بين الفيزياء التقليدية وفيزياء الكمّ. في التقريب النصف تقليدي يتمّ إهمال المساهمات الناتجة عن الأبعاد الأربعة للزمكان مجتمعة بحيث نأخذ فقط المساهمات التي تنتج فقط عن الأبعاد الثلاثة للمكان. وقد عُرفت هذه الطريقة باسم اللحظيات (instantons) وهي تصفُ الظهور التلقائي للكون من لا شيء. بهذه الطريقة فقط نستطيع أن نُفكّرُ (من الناحية الفيزيائية) بالكون من غير التفكير بالحالة الأوّلية. وبهذا الشكل لا نضطرّ للنظر إلى العالَم كشيء يحدث في الزّمان والمكان، وبمجرّد وجود الكون يمكننا بعد ذلك تطبيق قوانين النظريّة النسبية العامة والتي تصبح كحالة خاصّة أو تقريبيّة لقوانين الميكانيكا الكمّيّة.

لا يزال البحث في هذه المسائل مستمرّاً، ولكنّ أحد أهمّ المشاكل البارزة في مُحاولة بناء نظريّة حقل كمّيّة للجاذبيّة تتعلّقُ بالتفسير الملائم للحالات الكمّيّة بدون إشارة مباشرة للزمن. سوف نرى في نهاية هذا الكتاب أنّ مفهوم ابن العربي للزمن يُمكنُ أن يكُون المفتاح لحلّ هذه المشكلة لأنّه ينظرُ إلى العالم كوجودٍ أبديٍّ مستمرٍّ بشكلٍ ما رغم أنّ الخلق الفعليَّ للمادّة قد تمَّ في مرحلة محدّدة، ولكنّ العالم بالنسبة له ليس فقط هذا الوجود المادّيّ الملحوظ.

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





على الذاكر إستحضار معنى الذكر بالقلب على اختلاف درجات المشاهد في الذاكرين، بشرط أن يعرض على شيخه أحواله؛ حتى لا يكون للشيطان عليه سبيل، فيختلط عليه الأمر، فينقله من عاقل إلى فاقد لعقله، وبالتالي فإن وظيفة الشيخ تكون في إرشاده إلى معالي الأمور.
فضيلة الشيخ الدكتور رمضان صبحي ديب الدمشقي [الفصل السابع من كتاب إيجاز البيان عن سيرة فضيلة الشيخ رمضان - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!