ضاع القلم

 

ضاع القلم

   
ضاع القلمْ
 أين القلمْ؟
 قد كان موجودًا معي منذ القِدمْ
 به تعلّمت الكتابة والقراءة،
 بعد أن كنت عدمْ
 به سطّرت أفكاري
 به صوّرت أحلامي
 وبه كتبت خواطري،
 فتجسّدت لحمًا ودمْ
 
 قد كان يكتب كلَّ ما أطلبه منه
 من غير أن يطلب مني
 وكان يشطب ما لا يعجبني
 من غير أن يسخر مني
 وكان عندما أشكو يواسيني
 وعندما أحزن يحزن لي
 وعندما أفرح يفرح لي
 وعندما أغضب لا يغضب مني
 
 وكان حين أنام يرقبني
 فإذا صحوت وجدته قربي
 ينتظر كي أملي عليه جميع أحلامي
 وعندما أخرج يصحبني
 فإذا سُئلت به كتبت عنواني
 وبه نسجت ذاكرتي،
 فرحي وأحزاني
 والآن قد ضاع مني
 فكيف ينساني؟
 
 قلمي هنا ما زال موجودًا
 لكنه ما عاد يكتبْ
 قد ملّ تكرار الحروف التي لا تفيدْ
 ما زال فيه الحبرُ
 لكنه ما عاد يرغب أن يعيدْ
 لم ينفد البحر ولكن كلماتي نفدتْ
 ما زال في الأرض أشجارٌ
 ولكنّ الأقلام تعبتْ
 فليس هناك فائدة أن أشتري قلمًا جديدْ
 
 قلمي الذي ما زال يكتب في ذاكرتي منذ عقودْ
 يبحث فيها عن مكان آمنٍ
 وعن زوايا يحفظ فيها العهودْ
 قد مُلئت سطورها – كلاما فارغًا
 لكنها ترفض أن لا تتذكرْ
 صورًا صغيرةً من الماضي
 وأحلامًا كبيرةً عن المستقبلْ
 فأين أكتب حاضري،
 وليس في ذاكرتي أي مكانْ!
 وهي التي لا تريد أن تنسى
 ويرفض أن يتوقف الزمانْ
 فكم أنا بحاجة إلى طوفانْ!
 إنني بحاجة إلى الطوفانْ
 
 سوف أبني سفينةً صغيرةً
 تحملني إلى برّ الأمانْ
 حتى إذا فار تنّور الكيانْ
 وفُتحت أبواب السما
 وانشقت الأرض بماءٍ يغمر الوديانْ
 سأركب سفينتي وحدي
 وأرمي كتبي، جميعها، في البحرِ
 وأمحي من ذاكرتي كل الحروف،
 بماء من السلوانْ
 لكنني سآخذ القلمْ،
 لأنه هو العنوانْ
 وأكتب في ذاكرتي،
 البيضاءِ،
 من أول السطر،
 في الأعلى:
 "أنا الإنسانْ"
 
 أنا الإنسان، أمّا بعد:
 فمن أنا؟ وما أريدْ؟
 من أين أتيتُ؟ وإلى أين سأمضي؟
 وإلى أين انتهيتُ؟ هل من جديدْ؟
 أسئلة كثيرة وما لها جواب
 ويكتب القلمُ، ثم يمحو، ويُعيدْ
 وسوف أطلب ألف طوفانٍ
 وأسئلتي سوف تزيدْ
 لكنني لن أترك القلمْ
 لأنه هو الصديق الوحيدْ
 

 

محمد حاج يوسف، العين 18/7/2004

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: