تأليف الفتوحات المكية

كما ورد في كتاب شمس المغرب -------------

 بداية تأليف الفتوحات المكية (مكة 598/1202)

يعدّ كتاب الفتوحات المكية من أهم كتب التصوف الإسلامي على الإطلاق. بدأ ابن العربي تأليف هذا الكتاب لأول مرة بمكة سنة 598/1202 إلى أن أكمله بدمشق سنة 629/1232، ثم أعاد كتابته مرة أخرى في الفترة بين سنة 632/1235 إلى 636/1239 حيث أضاف وحذف وعدّل على النسخة الأولى.
وقد بدأ الشيخ محيي الدين رضي الله عنه تأليف هذا الكتاب الموسوعة في مكة المكرّمة إثر حديث روحاني بينه وبين "الفتى الفائت" وهو روح رآه الشيخ أثناء طوافه حول الكعبة سنة 598 فأخذ منه كلّ ما سطّره في الفتوحات المكية. يقول الشيخ محيي الدين في الباب الأول "في معرفة الروح الذي أخذت من تفصيل نشأته ما سطرته في هذا الكتاب وما كان بيني وبينه من الأسرار" أنه بينما كان يطوف حول الكعبة إذ لقي وهو عند الحجر الأسود "الفتى الفائت، المتكلم الصامت، الذي ليس بحيّ ولا مائت، المركب البسيط، المحاط المحيط"، فيقول إنه عندما أبصره يطوف بالبيت عرف حقيقته وأطلعه الله على منزلته وأنه منزّه عن الزمان والمكان. ثم يقول الشيخ محيي الدين:

 

فلما عرفت منزلته وإنزاله، وعاينت مكانته من الوجود وأحواله، قبّلت يمينه، ومسحت من عرق الوحي جبينه، وقلت له: أنظر من طلب مجالستك، ورغب في مؤانستك، فأشار إليّ إيماءً ولغزاً، أنه فُطر على أن لا يكلّم أحداً إلا رمزاً، وأن رمزي إذا علمته وتحققته وفهمته علمت أنه لا تدركه فصاحة الفصحاء، ونطقه لا تبلغه بلاغة البلغاء.
فقال له الشيخ محيي الدين:
عرّفني باصطلاحك، وأوقفني على كيفيّة حركات مفتاحك، فإني أريد مسامرتك، وأحب مصاهرتك.
وبعد أن كشف له هذا الروح عن رمزه قال له الشيخ محيي الدين:
أطلعني على بعض أسرارك، حتى أكون من جملة أحبارك.
فقال له: انظر في تفاصيل نشأتي، وفي ترتيب هيأتي، تجد ما سألتني عنه فيّ مرقوماً، فإني لا أكون مكلِّماً ولا كليماً، فليس علمي بسواي، وليست ذاتي مغايرة لأسمائي، فأنا العلم والمعلوم والعليم، وأنا الحكمة والمُحكم والحكيم.
ثم قال له: طُف على أثري، وانظر إليّ بنور قمري، حتى تأخذ من نشأتي ما تسطره في كتابك، وتمليه على كتّابك، وعرفني ما أشهدك الحق في طوافك من اللطائف، مما لا يشهده كل طائف، حتى أعرف همّتك ومعناك، فأذكرك على ما علمت منك هناك.
ثم ذكر الشيخ رضي الله عنه تكملة حديثه مع هذا الروح وما استفاد منه وأفاده من العلم في هذا الباب الأول من الفتوحات المكية، وبعد ذلك شرع في الأبواب الأخرى التي بلغت 560 بابا من العلوم والمعارف الرفيعة التي أودعها في هذا الكتاب. ويقول الشيخ رضي الله عنه في الباب الثاني من الفتوحات أن تأليفه هذا الكتاب وغيره لا يجري مجرى التواليف، ولا يجري هو فيه مجرى المؤلفين؛ وذلك أنه لا يختار ما يقول وما يرتب ويصنّف وإنما هي قلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهية مراقبة لما ينفتح له الباب، فقيرة خالية من كل علم، لو سئلت في ذلك المقام عن شيء ما سمعت لفقدها إحساسها، فمهما برز لها من وراء ذلك الستر أمرٌ ما بادرت لامتثاله وألّفتْه على حسب ما يُحدّ لها في الأمر. ولذلك فقد يضع بعض الأمور بغير ترتيب منطقي ولا مناسبة ظاهرة ولكن يكون هناك مناسبة خفيّة لا يشعر بها إلا أهل الكشف، وكذلك قد يلقى إلى هذا القلب أشياء يؤمر بإيصالها وهو لا يعلمها في ذلك الوقت لحكمة إلهية غابت عن الخلق.
ثم يضيف رضي الله عنه فيقول: فشتّان بين مؤلف يقول: "حدثني فلان رحمه الله عن فلان رحمه الله"، وبين من يقول: "حدثني قلبي عن ربي"، وإن كان هذا رفيع القدر فشتان بينه وبين من يقول: "حدثني ربي عن ربي"، أي حدثني ربي عن نفسه.
ولكن الشيخ رضي الله عنه لم ينهِ هذا الكتاب الكبير إلا بعد أكثر من ثلاثين سنة في دمشق كما سنتكلم عن ذلك في الفصل السادس.
وتجدر الإشارة إلى أن للشيخ محيي الدين كتب أخرى بأسماء مشابهة، منها "الفتح الفاسي"، و"الفتوحات المدنية"، و"الفتوحات المصرية"، وهي ليست بمثل حجم وأهمية كتاب الفتوحات المكية والذي يسمى أيضاً "الفتح المكي"، والاسم الكامل له هو: "الفتوحات المكية في معرفة الأسرار المالكية والملكية".
وقد أهدى الشيخ رضي الله عنه هذا الكتاب لصاحبه التونسي عبد العزيز المهدوي ولرفيق دربه بدر الحبشي، وله عدّة مخطوطات أهمها نسخة قونية التي كتبها الشيخ الأكبر بخط يده وأوقفها على ولده عماد الدين محمد الكبير الذي أمّه فاطمة بنت يونس بن يوسف أمير الحرمين.
 

النسخة الأولى من الفتوحات المكية (دمشق، شهر صفر 629/1231)

لقد ذكرنا في الفصل الرابع أن الشيخ الأكبر رضي الله عنه بدأ تأليف كتاب الفتوحات المكية في مكة المكرّمة شرّفها الله في أوّل زيارة يزورها في سنة 598، وكان يكتب فيها كلّما سنحت له الفرصة خلال أسفاره الكثيرة رغم أنه لم يتوقف عن التدريس وتأليف الكتب الأخرى كلما دعت إليها المناسبة. ولكن عندما استقر الشيخ محيي الدين في دمشق سنحت له الفرصة أن يتابع كتابة الفتوحات بشكل أسرع، فما انتهى من الطبعة الأولى منها إلا في هذه السنة، ثم أعاد كتابته مرة أخرى في الفترة بين سنة 632/1234 إلى 636/1238 حيث أضاف وحذف وعدّل على هذه النسخة الأولى.
هناك عشرات المخطوطات لهذا الكتاب في مكتبات العالم وأهمها مخطوطة قونية التي بخط الشيخ محيي الدين نفسه، وهي النسخة الثانية للكتاب التي فرغ منها سنة 636/1238، وقد قسمها المؤلف إلى سبعة وثلاثين سفراً، وهي محفوظة حالياً بمكتبة إيفكاف موسى بتركيا. وتوجد أيضاً مخطوطات أخرى عن النسخة الأولى ومنها نسخة محفوظة بمكتبة بايزيد بتركيا. وقد ذكر عثمان يحيى رحمه الله هذه المخطوطات وغيرها في كتابه عن تاريخ مؤلفات ابن العربي وتصنيفها الذي ذكرناه مراراً.
لقد تم طبع كتاب الفتوحات المكية عدة مرات كان أولها طبعة بولاق بمصر سنة 1274/1857، ثم أعيد طبعه سنة 1293/1876 بتصحيح الشيخ محمد قطة العدوى، ثم قامت دار الكتب العربية الكبرى بمصر (مصطفى الحلبي وأخويه) بطباعته سنة 1329/1911 على نفقة الحاج فدا محمد الكشميري وشركاه بمكة، وتم فيها تدارك ما وقع في طبعتي بولاق من أخطاء، وذكر الشيخ محمد الزهري الغمراوي رئيس لجنة التصحيح بمطبعة دار الكتب العربية الكبرى أنه فات طبعتي بولاق الوقوفُ على نسخة المؤلف، وأنه من العناية الإلهية أن سيقت لهم نسخة تمت مقابلتها على نسخة قونية التي بخط المؤلف، قابلها جماعة من العلماء بأمر الأمير عبد القادر الجزائرى رحمه الله تعالى.
ثم بعد ذلك صدرت حديثاً طبعات جديدة وكلها تعتمد على طبعة دار الكتب العربية، ولكن الدكتور عثمان يحيى رحمه الله حاول تحقيق هذا الكتاب الكبير ووصل فيه إلى السفر الرابع عشر بحسب تقسيم مخطوطة قونية وتوفى دون أن يكمله.
قسم الشيخ محيي الدين كتاب الفتوحات المكية إلى خمسمائة وستين بابا تتراوح في حجمها من صفحة واحدة أو أقل من صفحة إلى ما يزيد من مئة صفحة وبعضها عدة مئات من الصفحات. وقد قسمت هذه الأبواب إلى ستة فصول كما يلي:
1. الفصل الأول في المعارف (الأبواب من 1 – 73)
2. الفصل الثاني في المعاملات (الأبواب 74 – 188)
3. الفصل الثالث في الأحوال (الأبواب 189 – 269)
4. الفصل الرابع في المنازل (الأبواب 270 – 383)
5. الفصل الخامس في المنازلات (الأبواب 384 – 461)
6. الفصل السادس في المقامات (الأبواب 462 – 560)
وقد جمع الشيخ محيي الدين في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة أسرار الفتوحات كلها وذكرها بشكل مختصر، ثم ختم هذا الكتاب البديع بالباب الستين وخمسمائة وهو عبارة عن مجموعة كبيرة من الوصايا التي تهذب الأخلاق وترفع الهمم وهي ذات فائدة عظيمة لعامة الناس فضلاً عن المريدين وذلك لأن الشيخ رضي الله عنه تجنّب أن يذكر فيها أي شيء عن العلوم والمعارف المعقدة التي ذكرها في داخل الكتاب. ولذلك فقد طبع هذا الباب منفرداً وتوجد منه عشرات الطبعات.

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: