رحلته إلى مكة المكرمة

كما ورد في كتاب شمس المغرب
بعد أن دار الشيخ الأكبر دورته الأخيرة في الأندلس وكأنه كان يودعها، وبعد أكثر من سنة من الاعتزال؛ بعد أن ملأ قلبه نورا، وروحه سرورا، تاقت نفسه حنينا إلى الأصل، فقرر الرجوع إلى مطلع الشمس متتبعا أثرها نحو المشرق، نحو المنبع، نحو بكّة، فهناك طلعت شمس المعرفة، في تلك البقعة المقدسة، التي فيها النقطة الأقدس، مركز الأرض، ومركز الكون، حيث الكعبة المشرفة، التي فيها الحجر الأسود، يمين الله في الأرض، من مسحه فقد بايع الله سبحانه وتعالى. وبذلك، لما جاءه الأمر الإلهي عن طريق الرؤيا، شدّ محمد الرحال نحو المشرق متتبعا الطريق الذي جاء منه وهو ما يزال بعد في عالم الذر.

 

بدأ الشيخ الأكبر رحلته إلى المشرق سنة 597/1200 من المغرب حيث سيلتقي الشيخ الشهير أبا العباس السبتي وغيره من أهل الله تعالى. وهناك أُمر في الرؤيا أن يصطحب معه شخصا اسمه محمد الحصّار الذي التقاه في مدينة فاس وشدّا رحالهما معاً إلى المشرق، ومعه صديقه المخلص عبد الله بدر الحبشي. وكان لا بد أن يزور صاحبه في تونس عبد العزيز المهدوي ومن ثم مرّوا في مصر فأقاموا بها قليلا، وهناك توفي صاحبه محمد الحصّار فتابع الشيخ رحلته نحو مكة في شهر رمضان سنة 598، ولكنه ما كان ليذهب إلى مكة قبل أن يمرّ بمدينة الخليل ليزور مقام إبراهيم الخليل عليه السلام ثم يذهب إلى القدس ويصلي في المسجد الأقصى الذي حرّره صلاح الدين قبل خمس عشرة سنة. وبعد أن أتم الحج سنة 598 بقي في مكة مجاوراً حتى نهاية سنة 600، حيث سيبتدئ شوطا جديداً من الترحال نحو الشمال. وفي مكة ذاع صيته واشتهر هناك بين العلماء وصار يلقي الدروس في الحرم الشريف ويتحلّق حوله المريدون، وهناك أيضاً ابتدأ بكتابة موسوعته الشاملة لعلوم التصوف وفنونه وهي الفتوحات المكية التي سيستغرق في كتابتها حوالي ثلاثين سنة.
مغادرته الأندلس لآخر مرة
بعد أن قضى أكثر من سنة معتزلاً عن الناس كما رأينا في نهاية الفصل الماضي، غادر الشيخ محيي الدين الأندلس بشكل نهائي متجهاً إلى المغرب العربي ومنه إلى المشرق عن طريق تونس ومصر. لا نعلم على وجه التحديد متى غادر ابن العربي الأندلس ولا من أين غادرها، ولكن من المؤكّد أنه رضي الله عنه كان في نهاية سنة 596 أو بداية سنة 597 في المغرب في مدينة يقال لها "منقطع التراب" لأنه ليس وراءها إلا البحر المحيط، وهي مدينة سلا على الساحل الغربي للمغرب إلى الغرب من مدينة فاس. وقد قررنا هذا التاريخ لأننا سنجد الشيخ محيي الدين في بلدة أبجيسل بين سلا ومراكش في شهر محرم أول سنة 597 الموافق تشرين الثاني أو كانون الأول سنة 1200.
ولكن كيف وصل الشيخ محيي الدين إلى مدينة سلا من غير أن يمرّ، على ما يبدو، بالمدن الرئيسية الأخرى على الطريق مثل سبتة أو فاس، والتي لا بدّ لمن يقصد المغرب قادما من الأندلس أن يمرّ بها، إلا إذا فرضنا أنه مرّ بها بشكل سريع من غير أن يترك أي خبر عن ذلك، وذلك احتمال بعيد لأننا نجده يصف بعض تفاصيل رحلته من سلا نحو مراكش وفاس وسبتة وليس العكس. يبدو أن الاحتمال المعقول هو أنه وصل إلى "سلا" قادما من الأندلس عن طريق البحر، ثم ذهب منها إلى مراكش وفاس وغيرها كما سنرى. ليس هناك أية إشارة مباشرة وصريحة في كتب ابن العربي لهذا الافتراض خاصة وأننا نجده دائما يفضّل السفر عن طريق البرّ بدلاً من البحر عملاً بالنصيحة التي يستشفّها من القرآن الكريم، حيث يقول الله تعالى في سورة يونس: [هو الذي يسيّركم في البرّ والبحر كيف يشاء(22﴾]، فيقول ابن العربي: "ابدأ بما بدأ الله به"، ولكنّ ذلك لا يعني أنه لا يجوز السفر في البحر أو أنّ الشيخ محيي الدين لن يقوم بذلك، بل في الحقيقة فإن من المؤكد أن الشيخ محيي الدين قد سافر فعلا في البحر، سفرا طويلا غير الذي كان يقوم به كلما عبر المضيق.
يقول الشيخ محيي الدين في الباب السابع والستين وثلاثمائة حين كان يتحدّث عن قوة الريح أنه رأى ذلك ذوقاً من نفسه حين جرت بهم الريح الشديد من ضحى اليوم إلى غروب الشمس مسيرة عشرين يوماً رغم أن الموج كان كالجبال، "فكيف لو كان البحر فارغاً والرّيح من ورائنا كنّا نقطع أكثر من ذلك، ولكن أراد الله أن يرينا آيات كل صبّارٍ شكور".
من حيث المبدأ هناك احتمالان اثنان لمثل هذه الرحلة: أن تكون في البحر المحيط (بحر الظلمات وهو الذي يسمى الآن بالمحيط الأطلسي) من الأندلس إلى سلا، أو أن تكون في البحر المتوسّط من تونس إلى الإسكندرية مثلاً؛ فإننا لا نملك أي دليل أيضاً عن كيفية انتقال الشيخ محيي الدين في هذا المسار أثناء رحلته إلى المشرق. ولكن الطريق من تونس إلى مصر برّا يحتاج أكثر من عشرين يوما، بخلاف الرحلة من الأندلس (شريش أو روطة مثلا) إلى سلا الذي يحتاج تقريباً إلى عشرين يوماً.
فإذاً يبدو الاحتمال منطقياً أن الشيخ محيي الدين قد سافر من جنوب غرب الأندلس إلى غرب المغرب عن طريق بحر الظلمات (المحيط الأطلسي) والذي يكون موجه عادة أعلى من موج بحر الروم (البحر المتوسّط). ثم إنّ وصف الشيخ محيي الدين أن السفر الذي ذكره لم يكن باتجاه الريح يوحي على الأغلب أنه لم يكن بين الغرب والشرق بل بين الشمال والجنوب.
على كل حال غادر الشيخ محيي الدين بلاد الأندلس بشكل نهائي في أواخر سنة 596 متجها نحو المغرب ليبدأ منها رحلته نحو مكة المكرّمة.

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





كل علم من طريق الكشف والإلقاء أو اللقاء والكناية بحقيقة تخالف شريعة متواترة لا يعوَّل عليه، ويكون ذلك الإلقاء أو اللقاء أو الكناية معلول غير صحيح، إلا الكشف الصوري فإنه صحيح، ووقع الخطأ في تأويل المكاشف مما أريدت له تلك الصورة التي ظهر له فيها هذا العلم على زعمه.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب ما لا يعول عليه - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!