كرامات الشيخ محي الدين

 

كرامات الشيخ محي الدين

 

يتساءل الكثيرون عندما يقرؤون عن الشيوخ والأولياء عن كراماتهم وما حصل لهم من خرق للعادة، وبخلاف بعض الصوفية يعتبر الشيخ محيي الدين أن الكرامة الحقيقية هي الالتزام بالشريعة الإسلامية.

 

فالكرامة الحقيقية في العصمة في القول والفعل والنيّة. ولكن يقول الشيخ الأكبر أن العامة لا تعرف من الكرامة إلا الحسية مثل الكلام على الخاطر والإخبار بالمغيبات الماضية والكائنة والآتية، والأخذ من الكون، والمشي على الماء واختراق الهواء وطي الأرض والاحتجاب عن الأبصار وإجابة الدعاء في الحال. فكل هذا من الكرامات الحسيّة. أما الكرامة المعنوية فلا يعرفها إلا الخواص من عباد الله وهي أن تحفظ عليه آداب الشريعة وأن يوفق لإتيان مكارم الأخلاق واجتناب سفسافها والمحافظة على أداء الواجبات مطلقاً في أوقاتها والمسارعة إلى الخيرات وإزالة الغل والحقد من صدره للناس والحسد وسوء الظن وطهارة القلب من كل صفة مذمومة وتحليته بالمراقبة مع الأنفاس ومراعاة حقوق الله في نفسه وفي الأشياء. فهذه كرامات الأولياء المعنوية التي لا يدخلها مكر ولا استدراج بل هي دليل على الوفاء بالعهود وصحة القصد والرضى بالقضاء، وأما الكرامات الحسية فكلها يمكن أن يدخلها المكر الخفي؛ سئل أبو يزيد عن طي الأرض فقال: "ليس بشيء فإن إبليس يقطع من المشرق إلى المغرب في لحظة واحدة، وما هو عند الله بمكان"، وسئل عن اختراق الهواء فقال إن الطير يخترق الهواء والمؤمن عند الله أفضل من الطير فكيف يحسب كرامة من شاركه فيها طائر.[1]

 

 

ولذلك لا نجد الشيخ محيي الدين يتكلم أبداً عن أي كرامة خاصة مميّزة حصلت له إلا على سبيل الإشارة، مع أن سيرته كلها كرامات لا تُنكر. يقول الشيخ محيي الدين في الباب الرابع والثمانين ومائة "في معرفة مقام الكرامات":

 

بعض الرجال يرى كون الكرامات
    ***    
دليل حقٍ على نيل المقامات
وأنها عين بشرى قد أتتك بها
    ***    
رسل المهيمن من فوق السموات
وعندنا فيه تفصيل إذا عَلمت
    ***    
به الجماعة لم تفرح بآيات
كيف السرور والاستدراج يصحبها
    ***    
في حق قوم ذوي جهل وآفات
وليس يدرون حقاً أنهم جهلوا
    ***    
وذا، إذا كان، من أقوى الجهالات
وما الكرامة إلا عصمة وُجدت
    ***    
في حال قول وأفعال ونيّات
تلك الكرامة لا تبغي بها بدلا
    ***    
واحذر من المكر في طيّ الكرامات

 

فنحن هنا لا نريد أن نذكر من الكرامات الحسيّة للشيخ محيي الدين، ويوجد منها الكثير مع أنه لم يصرّح بها أبدا، ولكنّ من يقرأ كتبه يدرك، كما نوّهنا، أنه كان يحادث الملائكة فيستفيد منهم ويفيدهم، ويصحب الأرواح، ويرى الرسل والأنبياء إلى ما هنالك. ولكن ليس هناك أي ذكر أنه فعل أي شيء خارق مثل المشي على الماء وحمل الجمر وما شابه ذلك، فليس هذا ديدنه رضي الله عنه. وإنني أعتقد أن من أعظم كرامات الشيخ محيي الدين رضي الله عنه هو سعة صدره وحلمه وصبره لما وهبه الله من العلم والمعرفة، وهذا أدى به إلى الزهد في كل ما سوى الله وأنه لا يحاسب أحدا ولا يغضب لنفسه أبدا ويعطي العذر لكي من أساء له.

 

فقد ختم رضي الله عنه الفتوحات المكية بدعاء طويل شامل ثم سأل الله في آخر دعائه أن يجعل مثل ذلك لكل المسلمين والمسلمات "... ومن عرفني أو سمع بذكري أو لم يعرفني ... ومن ظنّ بي خيراً ومن لم يظن بي خيراً." ثم قال رضي الله عنه: "اللهم أني قد تصدقت بعرضي ودمي ومالي على عبادك فلا أطالبهم بشيء من ذلك لا في الدنيا ولا في الآخرة وأنت الشاهد علي بذلك"، وختم بالصلاة على النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم.

 

فأيّ كرامة أكبر من ذلك! وكذلك روي أن رجلاً من دمشق فرض على نفسه أن يلعنه كل يوم عشرا، فلما مات هذا الرجل حضر ابن العربي جنازته ثم رجع فجلس ببيته وتوجّه للقبلة، فلما جاء وقت الغداء أُحضر إليه فلم يأكل، ولم يزل على حاله إلى بعد العشاء، ثم التفت مسروراً وطلب العشاء وأكل! فقيل له في ذلك، فقال: التزمت مع الله أني لا آكل ولا أشرب حتى يغفر لهذا الذي يلعنني، وذكرت له سبعين ألف "لا إله إلا الله"، فغفر الله له.[2]

 

[1] الفتوحات المكية: ج2ص369-370.

 

[2] جلال الدين السيوطي، "تنبيه الغبي": ص54-55.

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





إن التفكر في معاني أسماء الله تعالى وصفاته مشروع، والمكرر لاسم الجلالة (الله) إنما هو يتفكر في معاني أسماء الله تعالى، فكلما قال: (الله) فإنه يتذكر معنى اسمٍ من أسماء الله أو صفةٍ من صفاته، وإذا كرّر اسماً آخر من أسمائه تعالى مثل (العليم) فإنه يظلُّ يتفكر في معنى ذلك الاسم كلَّما ذكره، هذا كله لمن يذكر بحضور القلب.
فضيلة الشيخ الدكتور رمضان صبحي ديب الدمشقي [الفصل السابع من كتاب إيجاز البيان عن سيرة فضيلة الشيخ رمضان - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!