تكفير الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

 

تكفير الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي:

 

وكما رأينا من قبل (في كتاب شمس المغرب) فإن الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي رضي الله عنه قد نبّأه الله تعالى في الواقعة عندما قيل له: "أدخل مقام إبراهيم"، فقال: "فعلمت أن الله تعالى لا بدّ أن يبتليني بكلام في عرضي من أشخاص فأعاملهم مع القدرة عليهم بالحلم عنهم ويكون أذى كثير"،[1] فحصل بعض ذلك في حياته وبعضه بعد وفاته حيث أنكر عليه الكثير من علماء المسلمين ومنهم من كفّره ووصفه بعبارات لا تليق بالمسلمين. وكان من أبرز الذين أنكروا عليه الشيخ برهان الدين البقاعي رحمه الله وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغفر لهم، ولقد بالغ ابن المقري في "روض الطالب" فقال إن الشك في كُفر طائفة ابن عربي كُفر.[2]

 

 

ولقد رأينا أعلاه وفي المقدمة أنه في الحقيقة يقوم مثل هؤلاء العلماء بدور إيجابي كبير في حماية المسلمين وخاصة الشباب منهم الذين لا يستطيعون التصدّي للعلوم النظرية والفلسفة التي تحتاج إلى عقلٍ ناقدٍ متوقّدٍ وقلبٍ مؤمنٍ مسلّمٍ، فإنّ من ليس عنده مثل هذا الإيمان القويّ قد يتضرّر من قراءة بعض كتب الشيخ الأكبر لما فيها من الحقائق التي لا يتحملها عقله لأنها خارجة عن المألوف مع أنها من صميم القرآن الكريم. فتكفير ابن العربي وأمثاله، وإن كان شرّاً، فهو خيرٌ من الخروج عن الإسلام بسبب ما جاء في كتبه. ولقد ذكرنا أيضاً أن مثل هذه الأقوال التكفيريّة لا تضرّ من عنده قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فمن عنده مثل هذه الملكات فلا يهمّه الخوض في أي علم شاء طالما أنه لن يزول عن برّ الأمان الذي هو الإيمان والتسليم لما في كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، وأمّا من ليس لديه إيمان قويّ فإنّه يُخشى عليه حتّى من قراءة القرآن الكريم إذا أراد أن يأخذ الأشياء بالعقل فقط.

 

وعلى كل حال فليهنأ هؤلاء العلماء الذي أساؤوا للشيخ محيي الدين رضي الله عنه حيث أنه قد صرّح بالعفو عن جميع من أساء إليه فلا يطالبه بشيء لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأشهدَ الله على ذلك كما رأينا أعلاه.

 

ومن أوائل العلماء الذين كفّروا الشيخ محيي الدين ابن العربي وانتقدوه وحاولوا تبيين فساد أقواله وخروجها عن الإسلام شيخ الإسلام ابن تيميّة الذي ألّف في ذلك العديد من الكتب والرسائل، وكذلك فعل الشيخ برهان الدين البقاعي صاحب كتاب "تنبيه الغبي بتكفير عمر بن الفارض وابن عربي"، ثم نحا نحوهما العديد من العلماء والفقهاء. وسوف نقدّم البقاعي بالذكر رغم تأخره بالزمان عن ابن تيميّة لأنه أخذ عنه أكثر ادّعاءاته وحتى نفرّغ بقيّة الكتاب لذكر النقاط التي اعترض عليها شيخ الإسلام.

 

الشيخ برهان الدين البقاعي

 

والشيخ برهان الدين البقاعي هو الإمام إبراهيم بن عمر بن حسن الرُّباط بن علي بن أبي بكر أبو الحسن برهان الدين البقاعي الشافعي، محدّث ومفسر ومؤرخ، ولد سنة 809/1407 وتعلم القرآن والفقه وأخذ عن ابن ناصر الدين وابن حجر، وتوفي في 885/1480.

 

ويذكر النجم الغزي في "الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة" أنه لما قدم الشيخ العلامة برهان الدين البقاعي دمشق في سنة 880/1476 تلقاه الشيخ تقي الدين هو وجماعة من أهل العلم إلى القنيطرة، ثم لما ألّف كتابه في الرد على حجة الإسلام الغزالي في مسألة "ليس في الإمكان، أبدع مما كان"، وبالغ في الإنكار على ابن العربي وأمثاله حتى أكفر بعضهم، كان الشيخ تقي الدين ممن أنكر على البقاعي ذلك، وهجره بهذا السبب.[3]

 

ولن نناقش هنا ما جاء به الشيخ برهان الدين في كتبه ولكن سنترك ذلك للفقرة التالية عند الحديث عن ابن تيميّة كما قرّرنا، لكننا سنذكر هنا أسماء بعض العلماء الذين نقل عنهم الشيخ برهان الدين البقاعي تكفيرهم لابن العربي.

 

فقد ألف الشيخ برهان الدين البقاعي كتاب "تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي"، وذكر فيه أسماء جماعة من الذين صرّحوا بكفر الشيخ الأكبر رضي الله عنه حسب ادّعائه، نذكر هنا بعضهم مع ذكر رقم الصفحة التي وردوا فيها بين قوسين: بدر الدين بن جماعة (140)، وشمس الدين محمد بن يوسف الجزري (141)، وحفيده إمام القرّاء محمد بن محمد الجزري صاحب الجزرية (176)، وعلي بن يعقوب البكري (144)، ومحمد بن عقيل البالسي (146)، وابن هشام صاحب مغني اللبيب (150)، وشمس الدين محمد العيزري (152)، وعلاء الدين البخاري الحنفي (164)، وعلي بن أيوب (182)، وشرف الدين عيسى بن مسعود الزواوي المالكي (143)، وشمس الدين الموصلي (154)، وزين الدين عمر الكتاني (142)، وبرهان الدين السفاقيني (159)، وسعد الدين الحارثي الحنبلي (153)، ورضي الدين بن الخياط (163)، وشهاب الدين أحمد ابن علي الناشري (163)، محمد بن علي النقاش (147)، تقي الدين السبكي الذي قال: "ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين كابن العربي وغيره، فهم ضلال جهالٌ، خارجون عن طريقة الإسلام، فضلاً عن العلماء" (143).

 

ونقل أيضاً عن الذهبي أنه قال: "ومِن أردأ تواليفه كتاب الفصوص! فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر، نسأل الله العفو والنجاة. فوا غوثاه بالله".[4] وذكر أيضاً أن الحافظ ابن حجر قال في لسان الميزان: "سألت شيخنا الإمام سراج الدين البُلقيني عن ابن العربي، فبادر الجواب بأنه كافر، فسألته عن ابن الفارض فقال: لا أحب أن أتكلم فيه. قلت: فما الفرق بينهما والموضع واحد؟ وأنشدته من التائية فقطع علي بعد إنشاء عدة أبيات بقوله: هذا كفر هذا كفر".[5]

 

شيخ الإسلام ابن تيمية

 

ابن تيمية هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن أبى القاسم بن الخضر بن محمد بن تيمية الحرّانى ثم الدمشقى الملقب بشيخ الإسلام. ولد يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة 661/1263 بحرّان وتوفي سنة 728/1328، وخلّف العشرات من الكتب والرسائل وكان له مذهب خاص خالف به علماء المذاهب الأربعة وقال بآراء تقرب من آراء المجسّمة والحشوية وذلك بسبب نفيه للمجاز ومحاولته تفسير بعض آيات القرآن الكريم بشكل حرفي، ومن أجل ذلك ثار العلماء ضده في مصر والشام وسجن عدة مرات.

 

وكان سبب الصراع بينه وبين العلماء ما قاله في رده على أسئلة أهل حماة سنة 698/1299، وهو ما يعرف بالفتوى الحموية،[6] التي يسألونه بها عن الصفات الإلهية كما وردت في الآيات والأحاديث، فأجاب بما يؤدي إلى التجسيم، أي بما تعتقده الحشوية في مسألة الصفات الخبرية، فكان ذلك السبب الرئيسي لمحنته وشهرته معاً.

 

لقد فهم ابن تيمية القرآن فهماً حرفياً فجمّد آياته ونفى المجاز عنه فاضطر لأن يثبت لله تعالى الوجه واليد والعين وكان يثبت الجهة لله والحدّ وكفّر منكره؛[7] قال في منهاج السنة: "فثبت أنّه في الجهة على التقديرين"،[8] وأثبت الجسمية لله تعالى فقال: "ولم يذم من السلف بأنه مجسم، ولا ذم المجسمة... وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها إنه ليس بجسم"،[9] وكل هذه الآراء الشاذة نتجت عن الفهم الحرفي للقرآن الكريم من غير أن يستطيع إقناع أحد بذلك.

 

ولقد ذكر ابن بطوطة قصة قول ابن تيمية حول حديث نزول الله إلى السماء الدنيا في الثلث الأخير من كل ليلة،[10] فقد ذكر ابن تيمية اعتقاده فيه بوضوح حين كان يخطب الجمعة في الجامع الأموي وقال أثناء كلامه أنّ الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل من درجة المنبر، فعارضه الفقيه المالكي ابن الزهراء وأنكر عليه ما قال، فضرب هذا الفقيه وسجن.[11]

 

وكذلك فقد تبيّن مذهبه في التجسيم بوضوح حين قال: إنّ الله تعالى يجلس على الكرسي وقد أخلى منه مكاناً يقعد فيه معه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذكر هذا القول تلميذه ابن القيم في بدائع الفوائد وقال إنّه قول السلف.[12]

 

ولقد أنكر على ابن تيمية عدد كبير من علماء المسلمين وكفّره بعضهم كالسبكي وشنّع عليه علي القادي واليافعي وزين الدين العراقي وصلاح والدين العلائي وغيرهم. قال تقيّ الدين الحمصي عن الحافظ ابن رجب الحنبلي: "وكان الشيخ زين الدين ابن رجب الحنبلي ممن يعتقد كفر ابن تيمية وله عليه الرد، وكان يقول بأعلى صوته في بعض المجالس: معذور السبكي في تكفيره،"[13] وقد كفّره قضاة المذاهب الأربعة في مصر حين حرّم زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله).[14] وذكر ابن حجر العسقلاني (توفي 852/1448) أنه قد نودي عليه بدمشق أن من اعتقد عقيدة ابن تيمية حلّ دمه وماله خصوصاً الحنابلة، فنودي بذلك وقرئ المرسوم وقرأها ابن الشهاب محمود في الجامع ثم جمعوا الحنابلة من الصالحية وغيرها وأشهدوا على أنفسهم أنـهم على معتقد الشافعي."[15] وقال ابن حجر الهيثمي في الفتاوى الحديثية: "وإياك أن تصغي إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية وغيرهما، ممن اتخذ إلـهه هواه وأضلّه الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله"،[16] بعد أن قال قبل ذلك كلاماً لا يليق بالمسلمين ولا نذكره هنا ولكنّه يشبه ما يقوله ابن تيمية على ابن العربي ويزيد.[17]

 

وقد ذكر قاضي القضاة تقي الدين السبكي (756/1355) في أول مقدمته في كتابه الدرة المضيئة: "أما بعد فإنه لمـا أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج من الإتباع إلى الابتداع وشذّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع".[18]

 

وكان الذهبي (توفي 748/1347) ممن أعجب به فمدحه في أول الأمر ثمَّ قال عنه لاحقاً فيما أصبح يُعرف بالرسالة الذهبية وهي رسالة "بيان زغل العلم والطلب": "ما وجدت أخَّره بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم وازدروا به وكذَّبوه وكفَّروه إلا الكِبر والعُجب وفرط الغرام في رئاسة المشيخة والازدراء بالكبار، فانظر كيف وبال الدعاوى وحبه الظهور، نسأل الله المسامحة."[19] ويشار إلى أن بعض علماء السلفية من أنصار ابن تيمية يشكون في نسب هذه الرسالة للإمام الذهبي.[20]

 

ومن أهم القضايا التي اختلف بها ابن تيميّة عن جمهور العلماء مفهوم البدعة والابتداع في الدين وحدّهما، والتبرّك والتوسّل بالنبي والأولياء والأئمة، وزيارة قبور الأنبياء والأولياء والبناء عليها والصلاة عندها والنذر لأهلها، إضافة إلى مواضيع أخرى متفرّعة، وقضايا أخرى تمسّ تاريخ الإسلام، ولا تزال هذه القضايا موضع خلاف بين العلماء وبين أتباعه وأتباع تلميذه محمد بن عبد الوهاب.

 

وفي المقابل فإن الكثيرين قد اتبعوه ودافعوا عنه ونشروا كتبه ومقولاته وفتاويه،[21] وقد كان هناك جدالٌ طويلٌ بين أتباعه المعجبين به وبين المستائين من فتاويه وتكفيره للعديد من أعلام المسلمين، ونحن لا نريد أن نخوض في هذا الجدال إلا فيما يخص موضوعنا الرئيسي عن آرائه بالشيخ الأكبر ابن العربي ولماذا اتهمه بالكفر والعياذ بالله، ولكن نقول مبتدئين أنه لا شك أن الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى كان له أثر إيجابي كبير على الإسلام من خلال كتبه الكثيرة التي ملأت الآفاق خاصة في العصر الحديث بعد أن يسّر الله لها من تبنّاها ونشرها ووفّرها للمسلمين بأرخص الأثمان. فلا شك أنه اجتهد فأصاب في الكثير من الأمور وربما أخطأ في بعضها فله على كل حال أجر إن شاء الله تعالى.

 

فالحقيقة أن ابن تيمية بذل جهداً كبير في محاولة تصحيح بعض العقائد وكان يحاول الالتزام بالنصوص من الآيات والأحاديث التي ثبتت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولكنه لم يستطع أن يرفع إشكالية هذه النصوص عندما أجاب عليها بالفتاوي التي أدت إلى محنته كالفتوى الحموية التي ذكرناها أعلاه. والسبب في ذلك أنه تصدّى لمسائل فلسفية عويصة من غير أن يكون متحققاً بآراء الفلاسفة وعلماء الكلام.

 

ومن الغريب أن نجد أنّ مذهب ابن تيمية يلتقي في كثيرٍ من النقاط الأساسية مع رؤية ابن العربي نفسه! ولكن ابن العربي، كما رأينا، نثر عقيدته العميقة في كتبه الكثيرة وتحليلاته الطويلة حتى لا يطّلع عليها إلا من له القدرة على فهمها وأظهر فقط عقيدته العامة البسيطة كما فعل في بداية الفتوحات المكية. في حين أن ابن تيمية حاول شرح رؤيته من خلال رسائل قصيرة وبشكل مباشر ومن غير شروحات شافية ولا دلائل مقنعة ولم يراعِ كيفية تقبل الناس لها، مما أدى إلى انتقاده ومحاكمته.

 

تقارب مذهب ابن تيمية مع مذهب ابن العربي

 

إن ابن تيمية رحمه الله لم يدرس كتب الشيخ الأكبر، ولو درسها لكان بلا شكّ من المدافعين عنه بأشدّ مما هاجمه واتهمه، وذلك لأن حقيقة مذهب الشيخ الأكبر أقرب ما تكون إلى الأفكار التي تميّز بها ابن تيمية والتي أدّت إلى انتقاده من قبل الكثير من العلماء.

 

فواقع الأمر أنّ أغلب الفقهاء لم يستطيعوا الخوض كثيراً في الأمور الفكرية والعقائدية وآثروا العمل على أحكام العبادات والمعاملات ونجحوا في ذلك نجاحاً كبيراً يُحسب لهم، ولكنّهم لم يبذلوا الكثير في الجانب الفكري والفلسفي كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك ابن العربي، كلٌّ على طريقته ومنهجه؛ فأما ابن العربي فقد سلك طريق الذوق والعلم الكشفي كما رأينا، في حين أن ابن تيمية قد اتّبع طريق العقل والمنطق، وهو طريق طويل وصعب لم يستطع شيخ الإسلام رحمه الله أن يصل فيه إلى غايته، فلم يستطع أن يوضّح آراءه للعلماء الذين كثيراً ما حاربوه لأنهم لم يفهموا أقواله وأفكاره كما حارب هو ابن العربي لنفس السبب.

 

وأوضح دليل على ما نقول هو نفي ابن تيمية للمجاز في القرآن الكريم،[22] الأمر الذي أدّى به للقول ببعض أقوال المجسمة والمشبّهة كما ذكرنا أعلاه. فأكثر الفقهاء يهربون من التفكير في بعض الآيات والأحاديث التي وصف الله تعالى بها نفسه أو وصفه الرسول صلّى الله عليه وسلّم بصفات البشر كاليد والاستواء والنزول والضحك والمشي والهرولة وغير ذلك، والذين يخوضون في تفسير هذه الآيات والأحاديث لا يجدون مفرّاً من الاستعانة بالمجاز المعروف في اللغة فيؤوّلون هذه الصفات بصفات تنزيه تناسب الصفات الإلهية عند زعمهم وظنّهم، وهم بذلك إنما يعطّلون معناها. ولكنّ ابن تيميّة الذي اتبع منهج السلف لم يجد دليلاً على ذلك ولم يجد منهم من يقحم المجاز ويؤوّل كلام الله تعالى، فاتّبع منهج السلف وهو محقّ في ذلك بلا شك لولا أنّه نُقل عنه بعض الأقوال التي تصرّح بالتجسيم والتشبيه الذي لم يقل به السلف أيضاً.

 

ومن جهة أخرى فإن ابن العربي، بخلاف عامة العلماء الذين أنكروا على ابن تيمية، يتوافق معه على مبدأ نفي المجاز ولكنّه لا يجرّ نفسه لنتائج الفكر القاصر والخيال الفاسد الذي يتصف به الناس عموما عندما يأخذون الآيات القرآنية بمعانيها المباشرة من غير تأويل، ولكنّه يفسّرها من غير الحاجة إلى المجاز وكذلك من غير جرح صفات التنزيه التي يتّصف بها الله تعالى، وسنرى بعض الأمثلة بعد قليل.

 

وهذه مسألة تحتاج إلى بحث منفصل ما أظنّ أن أحداً قد نبّه عليها من قبل، أي مسألة توافق ابن العربي وابن تيمية في أهم الأسس الفكرية للسلفية وهي نفي المجاز. فالشيخ محيي الدين يقول بوضوح: "فإنّا ننفي أن يكون في القرآن مجاز، بل في كلام العرب"،[23] ويقول أيضاً: "فما وقع الإعجاز إلا بتقديسه عن المجاز"،[24] فلو اكتشف ابن تيميّة هذه العبارات وتبحّر في معانيها لوجد كم هو قريب من الشيخ الأكبر، ولاستفاد من مقولاته هذه بل ودافع عنها بشكل مستميت كما دافع عن عقيدته وأفكاره رحمه الله.

 

فابن تيمية استطاع أن يصل بعقله وتقواه إلى نفي المجاز وأعلن ذلك بكل شجاعة مخالفا الجمّ الغفير من العلماء، لأن الأمر عنده هو الالتزام بالنصوص الواردة في القرآن وما ثبت من الحديث، أو من أقوال السلف، ولم يثبت في ذلك كله شيء عن المجاز، ولكنه لم يستطع أن يوفّق بين ظاهر الآيات التي تحمل معنى التشبيه وبين ما يليق بجلال الله تعالى من التنزيه، فاضطر أن يقول بأقوال تشبه أقوال المجسمة والمشبهة. ولكن الذين ناقضوه أيضاً أساؤوا الحكم حين قصَروا فهم القرآن الكريم على معانٍ مجازية ففرّغوها من معانيها التي أرادها الله تعالى، وهم يحسبون أنهم ينزهونه عن صفات الأجسام والحوادث، فجاؤوا بخطأ أشنع من خطأ المجسمة والمشبّهة، حيث أن الله سبحانه قد شبّه نفسه بشكل صريح في القرآن وعلى لسان رسوله، فإبطال هذا التشبيه هو إبطال للقرآن ونكران لقول الرسول عليه الصلاة والسلام، وكلا الفريقان مسلمون بالعقيدة مخطئون بالقول.

 

والسبيل للخروج من هذا التناقض يكون في أحد طريقين لا ثالث لهما: الأول أن نلتزم الإيمان من غير سؤال، وهو طريق العامة من المسلمين، وهو طريق سليم بلا شك. والطريق الثانية هي طريق التحقيق التي اتبعها الصوفية حيث التزموا التقوى حتى آتاهم الله تعالى من لدنه علما وفرقانا يفرّقون به بين الحق والباطل، فاستطاعوا بذلك العلم الخروج من التناقض بين صريح آيات التشبيه وحقيقة التنزيه الذي يليق بجلال الله سبحانه، من غير أن يعطّلوا الآيات ومن غير أن يقيّدوا الذات الإلهية بعالم التشبيه والأجسام.

 

وعلى الحقيقة لا يمكن الخروج من التناقض الظاهري بين ظاهر أوصاف التشبيه في القرآن الكريم والسنّة الشريفة وحقيقة تنزيه الله تعالى عن صفات الخلق سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً، أقول لا يمكن الخروج من ذلك التناقض الظاهري مع الالتزام بنفي المجاز إلا بعد فهم حقيقة الخلق والوجود وعلاقة الخالق بخلقه وهو ما يؤدي في النهاية إلى ما يسمّى وحدة الوجود التي سنتكلم عنها أدناه وشرحنا طرفا منها في الفصول السابقة، ولكنّها في الحقيقة أمر عويص وصعب المنال وسوف نخصص له كتابا منفردا كما وعدنا إن شاء الله تعالى.

 

فلماذا نُقحم أنفسنا في تأويلات بعيدة فنقول أن الاستواء بمعنى الاستيلاء أو الإحاطة إلى غير ما هناك ممّا ورد في أغلب التفاسير، فإن في ذلك تحديد وتعطيل للمعنى الذي يقصده الله تعالى. وفي نفس الوقت لا يجوز تصوّر الرحمن سبحانه أنه جسم جلس على جسم كما يوهم بذلك ظاهر الكلام لعامة الناس والكثير من علمائهم، سبحانه وتعالى عن ذلك علوّا كبيرا. فلو شبّهنا أخطأنا، ولو عطّلنا أخطأنا، والخروج كما قلنا يكون إما بالسكوت والإيمان بأن نقول: معناها هو كما يريده الله تعالى وكما يليق بجلاله، وهذا هو الطريق السليم الأسلم. والطريق الآخر لمن أصرّ على الفهم، وهو طريق العلماء المحققين، هو أن نجمع بين الوجهين بأن نقول أن الرحمن استوى على العرش حقّاً، وليس استولى أو غيره، ولكنّ استواءه على العرش ما هو مثل استواء الملك أو السلطان على الكرسي، فليس العرش ككرسي الملك في الشكل والجسم، وليس الرحمن كذلك كالبشر سبحانه وتعالى حتى يجلس على الكرسي كما يفعل البشر، ولكن استواءه على العرش أمرٌ لا ندرك كنهه لأننا لا ندرك ذات الله سبحانه ولا نعرف تماماً ما هو العرش المقصود هنا. فنحن مثلا عندما نقول: "طار العصفور" نتخيل العصفور وأجنحته وخفقانها، ولكن عندما نقول "طارت الطائرة" نتخيّل المحركات والمراوح الضخمة إلى ما هنالك، فالكلمة واحدة والحركة مختلفة، ولا يمكننا معرفة حقيقة الفعل إذا لم نعرف حقيقة الفاعل، وبما أننا لا نعرف كنه ذات الله سبحانه، فكيف نعرف كيفية استواءه.

 

ولكن لا بدّ أن نضيف أيضاً أن الإنسان عندما يدرج في طريق العلم تتفتّح له أبواب جديدة من الفهم يستطيع أن يدرك بها المزيد والمزيد من معاني الآيات القرآنية التي آمن بها ابتداءً وسلّم بمعانيها. والقرآن من جوامع الكلم، لأن آياته تحوي في كلماتها المحدودة عدداً كبيراً من المعاني التي لا تتكشّف إلا لمن كان له قلب يبصر به الحقائق أو لمن ألقى السمع، أي سلّم وأسلم، ثم آمن، حتى يفتح الله له بصيرته فيعبد الله كأنه يراه، وهي مرتبة الإحسان التي لا يكون بعدها نقصان. فالإيمان يزيد وينقص، لأنه إيمان بشيء غيبي، والإحسان يزيد ولا ينقص، لأنه عن بصيرة ومشاهدة لا يُتصوّر معها الكفر.

 

تكفير ابن تيمية لابن العربي

 

ولكن الواقع أن ابن تيمية كان من أكثر العلماء الذين استنكروا كلام ابن العربي، فوصفه بالكفر والضلال، من غير أية بيّنة، بل وحتى من غير أن يكلّف نفسه قراءة كتبه والبحث فيها، وذلك واضح وجليّ من خلال ما نسب إليه من الأقوال التي لم يقلها وأساء فهم أقواله بأقرب تأويل من غير بحث ولا تمحيص ولا تدقيق يوضح له معانيها التي لا تجانب الإسلام قيد أنملة، ثم إن ذلك انطلى على أتباعه المقلدين الواثقين بشيخهم واعتبروه من الحقائق المسلّمة. وساعد على هذا كلّه صعوبة فهم الشيخ الأكبر نظراً لعمق الموضوعات التي يتطرق إليها والتي يصعب استخراج مكنوناتها إلا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، أما أولئك الذين يقفون عند حدود مفهوماتهم الضيّقة للكلام ثم يرفضون سماع الخصم ويحكمون عليه من أول وهلة وكأنهم يخافون أن يسحرهم بكلامه كما كان يرفض بعض العرب سماع القرآن فأولئك قد وضعوا لأنفسهم حدوداً ونصبوا حولهم قضباناً وسجنوا أنفسهم داخلها.

 

ولقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وغفر له بعض الموضوعات التي وصلته من غريب كلام ابن العربي فأنكرها وكتب حولها الكتب والفتاوى من غير أدنى بحث ولا استبيان، فمن هذه الموضوعات:

 

الولاية والنبوة

 

فمما استنكره شيخ الإسلام على الشيخ الأكبر قوله بأن مقام الولاية فوق مقام النبوة، وهذا كلام صحيح قال به الشيخ الأكبر ولكنه لا يعني أبدا أن عموم الأولياء أعلى مقاما من الأنبياء وذلك لأن كل نبيّ فهو وليّ بالضرورة فهو من كونه وليّ أعلى من كونه نبيّ ولكن الوليّ الذي ليس بنبيّ مقامه بلا شكّ أدنى من مقام النبيّ لأنه شاركه بمرتبة الولاية ولم يشاركه بمرتبة النبوّة. قال ابن تيميه:

 

ومنهم -أي الصوفية- من يدّعى أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته، كما زعم ذلك ابن العربي صاحب كتاب "الفتوحات المكية" وكتاب "الفصوص"، فخالف الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله وأوليائه.[25]

 

وهذا الكلام فيه تحريف شديد وافتراء واضح لا ينبغي أن يصدر عن شيخ عالم مثل ابن تيمية رحمه الله لأن ابن العربي لم يقله ولا يمكن أن يقول مثل ذلك، فخاتم الأنبياء محمد صلّى الله عليه وسلّم، وخاتم الأولياء، كما يقول الشيخ الأكبر رضي الله عنه، هو عيسى عليه السلام حينما ينزل قبل القيامة في الشام ويحكم بشريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وابن العربي لم يذكر أبدا مثل هذا القول ولكنه يقول في "الفتوحات المكية" في نص غنيّ عن الشرح والتوضيح:

 

وذلك أن الله اصطفى من كل جنس نوعاً ومن كل نوع شخصاً واختاره عناية منه بذلك المُختار أو عناية بالغير بسببه، وقد يختار من الجنس النوعين والثلاثة وقد يختار من النوع الشخصين والثلاثة والأكثر.

 

فاختار من النوع الإنسانيّ المؤمنين واختار من المؤمنين الأولياء واختار من الأولياء الأنبياء واختار من الأنبياء الرسل وفضّل الرسل بعضهم على بعض.[26]

 

وقال أيضاً:

 

وقد علمتَ أن الرسل أعدل الناس مزاجاً لقبولهم رسالات ربهم وكل شخص منهم قبل من الرسالة قدر ما أعطاه الله في مزاجه في التركيب، فما من نبي إلا بُعث خاصة إلى قوم معيّنين لأنه على مزاج خاص مقصور، وإن محمدا صلّى الله عليه وسلّم ما بعثه الله إلا برسالة عامة إلى جميع الناس كافة ولا قبِل هو مثل هذه الرسالة إلا لكونه على مزاج عام يحوي على مزاج كل نبي ورسول؛ فهو أعدل الأمزجة وأكملها وأقوم النشآت.[27]

 

والشيخ الأكبر رضي الله عنه يقول إن مقام الولاية أعلى من مقام النبوة وكذلك أعلى من مقام الرسالة، وهذا صحيح، ولكن ذلك لا يعني أن الولي أعلى مقاماً من النبي أو الرسول، وإنما النبي أو الرسول لا يكون نبيّاً أو رسولاً إلا أن يكون وليّاً، فهو من كونه وليّ أعلى من كونه نبيّ أو رسول، وهو أيضاً أعلى من الولي الذي ليس بنبي أو رسول لأنه زاد عليه بالنبوة أو بالرسالة واشترك معه بالولاية. فأي شيء أعظم من مقام الولاية وهي اسم مشترك مع جلال الله سبحانه وتعالى، فهو الوليّ، وهو إن تولى عبده بعنايته فإنه ينوب عنه في كل شيء وينيبه كذلك في كل شيء لأنه هو وليّه فنعم المولى ونعم النصير. ولذلك كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: "وَتَوَلّني فِيمَن تَوَلَّيْتَ"،[28] اللهم آمين.

 

فدرجة الولاية أعم ودائرة الولاية أوسع، ولذلك أوضح الشيخ الأكبر في حديثه عن بعض أصناف الأولياء فقال:

 

فمن الأولياء رضي الله عنهم الأنبياء صلوات الله عليهم، تولاهم الله بالنبوة، وهم رجال اصطنعهم لنفسه واختارهم لخدمته واختصهم من سائر العباد لحضرته، شرع لهم ما تعبّدهم به في ذواتهم ولم يأمر بعضهم بأن يعدّي تلك العبادات إلى غيرهم بطريق الوجوب. فمقام النبوة مقام خاص في الولاية، ... ومن الأولياء رضوان الله عليهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، تولاهم الله بالرسالة فهم النبيون المرسلون إلى طائفة من الناس، أو يكون إرسالاً عاماً إلى الناس ولم يحصل ذلك إلا لمحمد صلّى الله عليه وسلّم؛ فبلّغ عن الله ما أمره الله بتبليغه في قوله: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾، ﴿وما على الرسول إلا البلاغ﴾، فمقام التبليغ هو المعبّر عنه بالرسالة لا غير. وما توقفنا عن الكلام في مقام الرسول والنبي صاحب الشرع إلا لأن شرط أهل الطريق فيما يخبرون عنه من المقامات والأحوال أن يكون عن ذوق، ولا ذوق لنا ولا لغيرنا ولا لمن ليس بنبي صاحب شريعة في نبوة التشريع ولا في الرسالة، فكيف نتكلم في مقام لم نصل إليه، وعلى حال لم نذقه! لا أنا ولا غيري ممن ليس بنبي ذي شريعة من الله ولا رسول؛ حرام علينا الكلام فيه، فما نتكلم إلا فيما لنا فيه ذوق، فما عدا هذين المقامين فلنا الكلام فيه عن ذوق لأن الله ما حجره. ومن الأولياء أيضاً الصدّيقون رضي الله عن الجميع تولاهم الله بالصدّيقية ...[29]

 

فهل هناك أوضح من ذلك، ويزيد الشيخ الأكبر توضيح المسألة فيقول:

 

فأول مرتبة العلماء بتوحيد الله الأولياء فإن الله "ما اتخذ ولياً جاهلاً"[30] وهذه مسألة عظيمة أغفلها علماء الرسوم (أي الفقهاء) فإنه يدخل تحت فلك الولاية كل موحّد لله بأي طريق كان (أي مهما كان دينه) وهو المقام الأول، ثم النبوة ثم الرسالة ثم الإيمان، فهي فينا أعلى مرتبة الولاية على ما رتبناه، وهي هناك ولاية ثم إيمان ثم نبوة ثم رسالة. وعند علماء الرسوم وعامة الناس الخارجين عن الطريق الخاص المرتبة الأولى إيمان ثم ولاية ثم نبوة ثم رسالة.[31]

 

وزاد أيضاً:

 

اعلم أن الولاية هي المحيطة العامة وهي الدائرة الكبرى فمِن حُكمها أن يتولى الله من شاء من عباده بنبوة وهي من أحكام الولاية، وقد يتولاه بالرسالة وهي من أحكام الولاية أيضاً؛ فكل رسول لا بد أن يكون نبياً وكل نبي لا بد أن يكون ولياً، فكل رسول لا بد أن يكون ولياً، فالرسالة خصوص مقام في الولاية.[32]

 

وكذلك قال:

 

فالأولياء هم ولاة الحق على عباده والخواص منهم الأكابر يقال لهم رسل وأنبياء ومن نزل عنهم بقي عليه اسم الولاية فالولاية الفلك المحيط الجامع للكل فهم وإن اجتمعوا في منصب الولاية فالولاة لهم مراتب فالسلطان وال على الخلق والقاضي وال والمحتسب وال وأين رتبة السلطان من مرتبة صاحب الحسبة وكلهم لهم الأمر في الولاية.[33]

 

وكذلك قال أيضاً:

 

والولاية لها الأولية ثم تنصحب وتثبت ولا تزول ومن درجاتها النبوة والرسالة فينالها بعض الناس ويصلون إليها وبعض الناس لا يصل إليها، وأما اليوم فلا يصل إلى درجة النبوة، نبوة التشريع، أحد لأن بابها مغلق، والولاية لا ترتفع دنيا ولا آخرة. فللولاية حكم الأول والآخر والظاهر والباطن بنبوة عامة وخاصة وبغير نبوة، ومن أسمائه (سبحانه) الولي وليس من أسمائه نبي ولا رسول. فلهذا انقطعت النبوة والرسالة لأنه لا مستند لها في الأسماء الإلهية ولم تنقطع الولاية فإن الاسم الولي يحفظها.[34]

 

فهل لو قرأ شيخ الإسلام هذه العبارات الصريحة يعود فيقول ما نقلناه عنه أعلاه! حاشاه، فهو لا يزال إمامٌ عدل عند ظننا به، ولكن فاته البحث وأسرع في الرد من غير بيّنة، غفر الله له ولنا.

 

دعوى مدح الكفار وانتقاص بعض المسلمين والرسل عليهم الصلاة والسلام

 

فمما زعمه شيخ الإسلام عن ابن العربي أنه انتقص بعض المسلمين والرسل في حين أنه مدح الكفّار. قال ابن تيميه:

 

ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية، كانوا مناقضين للرُّسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، كما يوجد في كلام صاحب "الفتوحات المكية" و "الفصوص" وأشباه ذلك، يمدح الكفّار مثل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم، وينتقص الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وهارون! ويذمّ شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين كالجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري وأمثالهما، ويمدح المذمومين عند المسلمين كالحلاج ونحوه.[35]

 

وهذا قول بهتان واضح لا يحتاج إلى الردّ عليه، فكتب الشيخ الأكبر تفيض بمدح الرُّسل والأنبياء والمسلمين شعراً ونثراً ما سبقه إلى ذلك أحد، وما ورد عنه قطّ أنه ذمّ رسولاً أو نبيّاً أو مسلماً أبداً، حاشاه أن يفعل ذلك. وأما بخصوص الجنيد والتستري فهو يقول في معرض حديثه عن أصل كلمة الهباء: "وقد ذكره علي بن أبى طالب وسهل بن عبد الله وغيرهما من أهل التحقيق أهل الكشف والوجود"،[36] فهل هذا ذمّ أم مديح. وقال في موضع آخر: "وطائفة أخرى من علماء هذه الأمة يحفظون عليها أحوال الرسول وأسرار علومه كعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وسلمان ... ومن نزل عنهم بالزمان كشيبان الراعي... والجنيد والتستري ومن جرى مجرى هؤلاء من السادة في حفظ الحال النبوي والعلم اللدنّي والسرّ الإلهي."[37]

 

وأما عن الحلاج، فهو لا يذمّه ولا يكفّره كما يسارع إلى ذلك من لا علم له، ولكن أيضاً ينتقده ويوضّح أخطاءه بأسلوب جميل وبدون تهتّك، فهو يقول مثلا: "قال الحلاج وإن لم يكن من أهل الاحتجاج: بسم الله منك بمنزلة كن منه."[38] وقال أيضاً: "كما قبلنا شهادة الشبلي وقوله في الحلاج ولم نقبل قول الحلاج في نفسه ولا في الشبلي لأن الحلاج سكران والشبلي صاح."[39] وقال: "ومنها من ادّعت ذلك في حال سكر كالحلاج فقال قول سكران فخبَط وخلَط لحكم السكر عليه وما أخلص."[40]

 

فإذا لم يكن يروق لابن تيمية وأمثاله كلام الشيخ الأكبر فلينتقده بمثل هذا الأسلوب الجميل، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يكن لعّاناً ولا طعّاناً، كما ورد في الحديث أعلاه.

 

دعوى الاتحاد والحلول

 

ما زال الشيخ ابن تيميه ينسب ابن العربي إلى القول بالاتحاد والحلول، واستخدم في الردّ عليه عبارات ساخرة استهزاءً به في غير موضع من كتابه "الفرقان بين أولياء الله وأولياء الشيطان" وغيره، في حين نفى الشيخ الأكبر رضي الله عنه ذلك بشكل صريح وواضح في مواضع كثيرة، فقال: من فصل بينك وبينه أثبت عينك وعينه؛ ألا تراه تعالى قد أثبت عينك وفصل كونك بقوله، إن كنت تنتبه، "كنت سمعه الذي يسمع به"، فأثبتك بإعادة الضمير إليك ليدل عليك. وما قال بالاتحاد إلا أهل الإلحاد.[41]

 

وفي الباب الثامن والأربعين ومائتين قال: "ومن قال بالحلول فهو معلول".[42]

 

وفي الباب الثالث عشر وثلاثمائة قال: "والحق تعالى منزّه الذات عن الحلول في الذوات".[43]

 

أما ما يُفهم من كلام ابن العربي في بعض شروحه وأشعاره، فكله من وحي الحديث القدسي الذي قال فيه الله تعالى "كنت سمعه الذي يسمع به…"، فعندما يكون العبد بهذا القرب من الله تعالى تقصر العبارات وتعجز اللغات عن توصيل المعنى فقد يفهم السامع غير ما قصد القائل إذا لم يضع كلّ كلمة في مكانها من الإضافة والمعنى.

 

وقد سئل شيخ الإسلام عن مثل هذه الأقوال فقال في رسالة إبطال وحدة الوجود:

 

هذه الأقوال المذكورة تشتمل على أصلين باطلين مخالفين لدين المسلمين واليهود والنصارى مخالفتهما للمعقول والمنقول: أحدهما الحلول والاتحاد وما يقارب ذلك كالقول بوحدة الوجود كالذين يقولون إن الوجود واحد، فالوجود الواجب للخالق هو الوجود الممكن للمخلوق، كما يقول ذلك أهل الوحدة كابن عربي وصاحبه القونوي وابن سبعين وابن الفارض ... ثم من هؤلاء من يفرّق بين الوجود والثبوت كما يقوله ابن عربي ويزعم أن الأعيان ثابتة في العدم غنيّة عن الله في أنفسها، ووجود الحق هو وجودها، والخالق مفتقر إلى الأعيان في ظهور وجودها، وهي مفتقرة إليه في حصول وجودها الذي هو نفس وجوده.[44]

 

وحدة الوجود

 

ومن الأمور التي اتهم بها شيخ الإسلام ابن تيمية الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي أنه قال بوحدة الوجود. وبالفعل لقد قال الشيخ محيي الدين مثل ذلك، ولكن ليس بالشكل الذي يفهمه شيخ الإسلام، وهذا أمر ليس بإمكاننا الخوض به هنا كثيرا لأنه يحتاج إلى كتاب منفصل سنقوم به في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى. ولكن لا بدّ من التنويه في البداية إلى أنّ الشيخ محيي الدين لم يذكر أبداً كلمة "وحدة الوجود" ولا نُقل عنه ذلك لا في كتبه ولا مشافهة، ولكنه يشير إلى نوع من الوحدة الوجودية التي تضمحلّ فيها، عند مستوىً معيّن، جميع المخلوقات ولا يبقى وجود حقيقي إلا لذات الله تعالى. فليس ذلك بمعنى التوحّد أو الاتّحاد بين الخلق والخالق، بل هو نفي الوجود الحقيقي عن الخلق وإثباته للخالق وحده سبحانه وتعالى، أما وجود الخلق فهو وجودٌ نسبيٌ منوطٌ بوجود الله تعالى أي قائمٌ به وليس وجوداً قائماً بنفسه، فالله وحده هو القيّوم أي القائم بنفسه والخلق قائمون به، فلو كان الخلق قائمون بأنفسهم لكان لهم وجود مستقل عن وجود الحق وبالتالي يكونون أغنياء عنه، بل الحقيقة أنهم مفتقرون إليه في كل حين.

 

والذين يخوضون في موضوع وحدة الوجود من غير علم يعتقدون أن من يقول بها إنما يعتبر أن الحق والخلق شيء واحد، أي أن الكرسي والجدار والحجر وغير ذلك من الأشياء هي نفسه الله سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً. وهذا كلّه خلط لا يقول به عاقل. وابن تيميّة مع أنه يعترف لابن العربي بأنه يوجد في كلامه الكثير من الكلام الجيّد في هذا الخصوص ولكنه مع ذلك يسميه كفراً، فيقول ابن تيمية في رسالة "حقيقة مذهب الاتحاديين أو وحدة الوجود" إن "مقالة ابن عربي صاحب فصوص الحكم، وهي مع كونها كفراً فهو أقربهم إلى الإسلام لما يوجد في كلامه من الكلام الجيد الكثير، ولأنه لا يثبُت على الاتحاد ثبات غيره، بل هو كثير الاضطراب فيه، وإنما هو قائم مع خياله الواسع الذي يتخيل فيه الحق تارة والباطل أخرى. والله أعلم بما مات عليه." ثم يقول: "وأما صاحب الفصوص وأتباعه فيقولون: عين وجودها (أي الأشياء) عين وجود الحق، فهي متميزة بذواتها الثابتة في العدم متحدة بوجود الحق العالِم بها."

 

ولكن ابن العربي لا يقول أبداً أن وجود المُحدَث (أي الخلق) هو عين وجود القَديم (أي الحق) كما يتهمه ابن تيمية، بل يقول صراحة في الباب الخامس والثمانين ومائة: "إذ يستحيل تبدّل الحقائق؛ فالعبد عبد، والرب رب، والحق حق، والخلق خلق".[45] ويقول أيضاً: "فلا يجتمع الخلق والحق أبداً في وجه من الوجوه، فالعبدُ عبدٌ لنفسه، والربُّ ربٌّ لنفسه، فالعبودية لا تصح إلا لمن يعرفها فيعلم أنه ليس فيها من الربوبية شيء، والربوبية لا تصح إلا لمن يعرفها فيعرف أنه ليس فيها من العبودية شيء."[46]

 

دعوى قِدم العالم

 

وبالمعنى نفسه أيضاً يتهم شيخُ الإسلام ابنَ العربي بأنه يقول بقِدم العالم،[47] في حين أن ابن العربي أوضح في مواضع كثيرة أن العالَم لم يكن ثم كان وأن الله سبحانه وتعالى أنشاه ابتداءً وقد ذكرنا من قبل كيف أنه رأى الحق في المنام فأمره أن لا يجالس المطاطيين، فقال وما المطاطون؟ قال هم الذين يمدّون العالم إلى غير نهاية في الابتداء، وإني ابتدأت العالم بالخلق. وهذا التقرير ردّ بيّن على مثل هذه التهم، ومع ذلك يتناقل أتباع ابن تيمية هذه الأقوال من غير بيّنة حيث ينقل الذهبي في "تاريخ الإسلام" بطريقين مختلفين عن ابن تيمية أن الشيخ عزّ الدين ابن عبد السلام يقول عن ابن العربي: "شيخ سوء كذّاب يقول بقِدم العالم ولا يحّرم فرجا"، وهذا بلا شكّ قذف وافتراء وبهتان عظيم ومن غير المستبعد أن يكون مكذوبا على الشيخ عزّ الدين في ذلك، فهو شيخ جليل لا يقول مثل هذا الكلام، فلا ينبغي تداول الأنباء التي يأتي بها الفاسق قبل التبيّن من صحّتها. وقد نقل الذهبي مثل هذا الكلام فقال: "هكذا حدثني شيخنا ابن تيمية الحراني به عن جماعةٍ حدثوه عن شيخنا ابن دقيق العيد أنه سمع الشيخ عز الدين يقول ذلك."[48] وفي مكان آخر نقل نفس الكلام بطريق مختلف فقال: "وقد حط عليه الشيخ القدوة الصالح إبراهيم بن معضاد الجعبري، فيما حدثني به شيخنا ابن تيمية، عن التاج البرنباري، أنه سمع الشيخ إبراهيم يذكر ابن العربي فقال: كان يقول بقدم العالم ولا يحرم فرجاً."[49]

 

والحقيقة أن الشيخ محيي الدين قد ذكر في العديد من كتبه شعراً ونثراً أن الله خلق العالم ابتداءً، وله في ذلك نظرية بديعة ناقشناها ببعض التفصيل في الأطروحة (التي نقوم الآن بإعادة صياغتها باللغة العربية وستنشر قريبا إن شاء الله تعالى)، ولكن ما ذنبه إذا كان بعض الناس يقرؤون طرفاً من كلامه ثم يحكمون عليه من خلال فهمهم. ولقد وقع في مثل هذا الخطأ أيضاً بعض أنصار الشيخ محيي الدين مثل الباحث الشهير هنري كوربان الذي يقول في كتابه "الخيال الخلاّق" أنه "لا يوجد في علم ابن العربي خلق من عدم"،[50] في حين أن ابن العربي ابتدأ الحمد في خطبة الفتوحات المكية بقوله: "الحمد لله الذي خلق الأشياء من عدم"،[51] ويقول أيضاً في "الدرّة البيضاء" أن الممكن (وهو العالم) لا يمكن إلا أن يكون عن عدم، وإلا فهو ليس ممكن (بل واجب، وهذا لا يجوز، فليس هناك واجب الوجود غير الله تعالى). فابن العربي لا يمكن أن يقول بقدم العالم، فهذا إشراك صريح وهو نقيض حقيقة وحدة الوجود التي تنفي أي وجود حقيقي لما سوى الله تعالى كما قلنا.

 

مسألة إيمان فرعون

 

وهذه مسألة شائكة غفل عنها أكثر المسلمين، ولا يمكننا هنا القطع بها أو تفصيلها وإنما تحتاج إلى كتاب خاص إن شاء الله تعالى. ولكننا نقول هنا أن الشيخ الأكبر لم يقرّر أبداً أن إيمان فرعون مقبول عند الله تعالى وإنما ترك الأمر مفتوحاً كما هي حقيقة الأمر في القرآن الكريم لأنه شيء عائد لله تعالى وحده أن يقبل أو لا يقبل إيمان فرعون أو أن يعاقبه أو يعفو عنه؛ وليس هناك دليل قوي يدعو لنفي قبول إيمان فرعون؛ فكما أننا لا نستطيع أن نقرر بشكل حاسم أن فرعون قد مات مؤمناً (بقلبه) كذلك لا نستطيع أن نقرر أنه قد مات كافراً، لأنه لا شك نطق بكلمة التوحيد وأسلم قبل موته، والأمر إلى الله تعالى وحده أن يقبله أو لا يقبله، لأنه هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ونحن لا نستطيع أن نحكم إلا بحسن الظنّ وظاهر القول.

 

والحقيقة أن ظاهر قول فرعون هو إيمان صريح وغير معلول رغم أنه جاء متأخراً، ولكن ليس قبل فوات الأوان، فليس هناك مانع شرعي ولا دليل على عدم قبوله، بل إن المرجَّح أن تَسعه رحمة الله الغفور الرحيم، والآيات التي تدلّ على ذلك كثيرة إذا أخذناها بعين الإنصاف وبدون التحيّز البشري المعتاد في مثل هذه الحالات عندما يقدر الإنسان على عدوّه الظالم فينتقم منه دون أدنى رحمة، والأمر ليس كذلك بالنسبة لله تعالى القادر على كل شيء، والذي لو شاء لانتقم من فرعون في أي وقت وبأي شكل سواء في الدنيا أو في الآخرة.

 

يقول ابن تيمية:

 

والمقصود هنا أن هؤلاء الاتحادية من أتباع صاحب "فصوص الحكم" وصاحب "الفتوحات المكية" ونحوهم هم الذين يعظّمون فرعون ويدّعون أنه مات مؤمنا وأن تغريقه كان بمنزلة غسل الكافر إذا أسلم، ويقولون: ليس في القرآن ما يدل على كفره ويحتجون على إيمانه بقوله (تعالى، في سورة يونس) ﴿حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إلا إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾، وتمام القصة تبين ضلالهم، فإنه قال سبحانه: ﴿آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين﴾، وهذا استفهام إنكار وذم، ولو كان إيمانه صحيحا مقبولا لما قيل له ذلك.[52]

 

فكيف قرّر شيخ الإسلام أن هذا الاستفهام إنكارٌ وذمٌّ، ولماذا لا يكون لوماً وعتاباً، فلو شاء الله أن يكذّب فرعون لفعل ذلك بصريح الآية، وابن تيميّة نفسه ينفي المجاز كما رأينا، ولكن تطبيق الأسلوب البشري في الكلام العامي هو الذي أدى إلى هذا الاستنتاج، وهو أمرٌ أبعد من مجرّد المجاز ولا يجوز تطبيقه على القرآن بتاتاً. والحقيقة أيضاً أن في هذه الآية إشارة واضحة إلى أن فرعون قد دخل طوراً جديداً بقول الله له "من قَبْلُ" و"كُنتَ" ثمّ تلا ذلك بقوله تعالى "فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ" وقال "بِبَدَنِكَ" ولم يقل "ننجي بدنك" ثم علّل ذلك سبحانه وتعالى فقال: "لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ" وذلك لأن القليل يدرك سعة رحمة الله تعالى ومغفرته مهما كانت الذنوب كبيرة وكثيرة، فإنه قد يغفرها أو يكفّرها ولا يبالي، خاصة وأنه قال في آية أخرى أن الله تعالى أخذ فرعون هذا الأخذ الأليم "نكال الآخرة والأولى"، أي جزاءً، أي تكفيراً، والله تعالى أعلم. فلو كانت الآية في أخذ فرعون بالغرق إظهار قدرة الله تعالى عليه لما صحّ قوله تعالى بعد ذلك "وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ"، فالكثير ما زاد على النصف على أقلّ تقدير، ولكنّ أكثر الناس يدركون ويعرفون قدرة الله تعالى على فرعون وغيره في حين أن أكثر الناس غافلين بالفعل عن سعة رحمة الله تعالى.

 

ولو أردنا تحليل الآيات القرآنية بشكل مفصل لوجدنا أن الدلائل التي تشير إلى قبول إيمانه أقوى من الدلائل المناقضة والتي تشير إلى دخول آل فرعون للنار وأنه سوف يقدم قومه يوم القيامة ويوردهم النار، فحتى لو افترضنا أن فرعون هو واحد منهم (أي يشمله قول الله تعالى: "قومه" أو "آل فرعون") مقصود بهذه الآيات فذلك لا يتعارض مع إمكانية أنه قد مات مؤمنا، حيث أن المؤمن يمكن أن يعذب بالنار مقابل ظلمه للناس، وفرعون كان ظالما ولا شك، وإنما حديثنا عن إيمانه عند غرقه وموته وليس عن عمله قبل ذلك، فهذا أمر مقطوع فيه.

 

دعوى عدم وجوب شكر الله تعالى

 

وقد ادّعى ابن تيمية كذلك أن ابن العربي يقول إن الله سبحانه لا ينبغي أن يُشكر أو يُحمد أو يُعبد، لأنه سبحانه وتعالى ما فعل شيئا يستدعي ذلك! فهل يمكن لابن العربي أن يقول مثل هذا القول أم هو بهتان عظيم عليه! يقول ابن تيمية رحمه الله وغفر له:

 

والمتفلسفة، أرسطو وأتباعه، عندهم أنه (أي الله تعالى) لا يفعل شيئا ولا يريد شيئا ولا يعلم شيئا ولا يخلق شيئا، فعلى أي شيء يُشكر، أم على أي شيء يُحمد ويُعبد! والباطنية، باطنية الشيعة والمتصوفة كابن سبعين وابن العربي، هم في الباطن كذلك، بل يقولون: وجود المخلوق هو وجود الخالق فيجب أن يكون كل موجود عابدا لنفسه، شاكرا لنفسه، حامدا لنفسه.

 

وابن العربي يجعل الأعيان ثابتة في العدم، وقد صرّح بأن الله لم يعطِ أحدا شيئا، وأن جميع ما للعباد فهو منهم لا منه، وهو مفتقر إليهم لظهور وجوده في أعيانهم، وهم مفتقرون إليه لكون أعيانهم ظهرت في وجوده، فالرب إن ظهر فهو العبد، والعبد إن بطن فهو الرب. ولهذا قال: لا تحمد ولا تشكر إلا نفسك، فما في أحد من الله شيء، ولا في أحد من نفسه شيء، ولهذا قال: إنه يستحيل من العبد أن يدعوه، لأنه يشهد أحدية العين، فالداعي هو المدعو فكيف يدعو نفسه، وزعم أن هذا هو خلاصة غاية الغاية، فما بعد هذا شيء، وقال: فلا تطمع أن ترقى في أعلى من هذا الدرج، فما ثم شيء أصلا، وإن هذا إنما يعرفه خلاصة خلاصة خاصة الخاصة من أهل الله. فصرّح بأنه ليس بعد وجود المخلوقات وجود يَخلقُ ويَرزقُ ويُعبدُ.[53]

 

ويتضح من ذلك جليّا سوء فهمه لمقصود ابن العربي وكيف أنه لم يُعمل عقله للدخول إلى مفهوم الجملة العربية بل اقتصر على مفهومه العام السطحي الخاطئ، فابن العربي ما نكر نعمة الله على الخلق وأنه هو الخلاّق والرزّاق والمعبود والمُنعم، بل أكّد كل ذلك في جميع صفحات كتبه وهذا أمر لا يستدعي نقاشا. ولكنه رضي الله عنه ينزّه الله تعالى في هذه العبارة: "ما في أحد من الله شيء"، ولم يقل: "ما في أحد من نعمة الله شيء"، وذلك لأن الخلق هم العبيد والله هو وحده الإله، ومهما شعر بعض الناس بالألوهية نتيجة تملّكهم وتصرّفهم، فما ذلك لهم بالأصالة، فلو كان في أحد من الله شيئا لكان له حق في الألوهة، ولكن ليس ذلك لأحد لأن الكل عبيد اختيارا كان أم اضطرارا، وقد يدّعي الألوهية من يدّعيها قولا كفرعون أو حالا كأغلب الناس، ولكن ذلك وهمٌ ليس فيه من الحق شيء. فهذا معنى قوله رضي الله عنه: "ما في أحد من الله شيء"، وهذا هو أيضاً قوله في وصاياه: "كن فقيراً من الله كما أنت فقير إليه... ومعنى فقرك من الله أن لا يشم منك رائحة من روائح الربوبية بل العبودية المحضة كما أنه ليس في جناب الحق شيء من العبودية ويستحيل ذلك عليه فهو رب محض فكن أنت عبداً محضاً".[55]

 

 

 

 

 

[1] الفتوحات المكية: ج1ص722.

 

[2] ابن المقري (755/1354-837/1434) هو شرف الدين أبو محمد إسماعيل بن أبي بكر بن عبد الله المقري من أهل اليمن، فقيه شافعي، كان محققاً باحثاً مدققاً مشاركاً في كثير من العلوم. انظر: "الضوء اللامع": ج2ص292، ومعجم المطبوعات العربية والمعربة: ص248، ومعجم المؤلفين: ج2ص262.

 

[3] الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، للشيخ نجم الدين الغزي، حققه وضبط نصه جبرائيل سليمان جبور، دار الآفاق الجديدة-بيروت، 1979: ج1ص116-118.

 

[4] الذهبي، "سير أعلام النبلاء": ج23ص48.

 

[5] لسان الميزان، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني، اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة، اعتنى بإخراجه وطباعته سلمان عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية-بيروت، 2002: ص364.

 

[6] الرسالة الحموية، طبعت ضمن مجموعة الرسائل الكبرى، الجزء الأول، ص425.

 

[7] التأسيس في رد أساس التقديس، ابن تيمية: ج1ص445.

 

[8] منهاج السنة، منهاج السنة: ج1ص24.

 

[9] التأسيس في رد أساس التقديس، ابن تيمية: ج1ص100-101.

 

[10] الحديث متفق عليه بين البخاري ومسلم عن رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثلُثُ اللَّيْل الآخِر فَيَقُولُ مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْألُني فأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فَأَغْفِرَ لَهُ؟" وفي رواية لمسلم "يَنزِلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى إلى السَّماءِ الدُّنْيا كُلَّ لَيْلَةٍ حِينَ يَمْضِي ثلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ فَيَقُولُ: أنا المَلِكُ أنا المَلِكُ، مَنْ ذَا الَّذي يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذي يَسألُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فأغْفِرَ لَهُ، فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ حتَّى يُضِيءَ الفَجْرُ". وفي رواية"إِذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أوْ ثلُثَاهُ".‏ صحيح البخاري: الجزء الأول، أبواب التهجد، رقم 1094. صحيح مسلم: الجزء الأول، كتاب صلاة المسافرين، رقم 168.

 

[11] راجع "رحلات ابن بطوطة": ج1ص57، وذكرت القصة في الدرر الكامنة لابن حجر العسقلاني ج1ص154.

 

[12] بدائع الفوائد، لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر المشتهر بابن قيم الجوزية، اعتنى بتصحيحه إدارة الطباعة المنيرية، دارالكتاب العربي-بيروت، 1970: ج4ص39-40.

 

[13] راجع: "دفع شبه من شبّه وتمرّد"، تقي الدين الحصني، ص123.

 

[14] راجع: "تكملة السيف الصقيل"، محمد زاهد الكوثري، ص155.

 

[15] الدرر الكامنة، ابن حجر العسقلاني: ج1ص147.

 

[16] الفتاوى الحديثية، تأليف أحمد شهاب الدين بن حجر الهيثمي المكي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي-القاهرة، 1970، ص203.

 

[17] ابن حجر الهيثمي، "الفتاوي الحديثية": ص99-100.

 

[18] مقدمة الدرة المضيئة، تقي الدين السبكي، طبع في مصر مع تكملة للمحقق محمد زاهد الكوثري. وقد ألّف السبكي أيضاً كتبا أخرى بهذا الخصوص مثل: السيف الصقيل في رد ابن تيمية وابن القيم الجوزية، شفاء السقام في زيارة خير الأنام عليه الصلاة والسلام.

 

[19] بيان زغل العلم والطلب، للحافظ شمس الذهبي، تحقيق الشيخ محمد زاهد الكوثري، نشر القدسي بدمشق، 1928.

 

[20] ألّف الشيخ محمد بن إبراهيم الشيباني رسالة في إبطال نسبة هذه الرسالة إلى الإمام الذهبي سماها "التوضيح الجلي في الرد على النصيحة الذهبية المنحولة على الإمام الذهبي"، انظر كتاب "كتب حذّر منها العلماء"، مشهور حسن آل سلمان، تقديم بكر أبو زيد، دار العصيمي-الرياض، 1995: ج2ص309.

 

[21] الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية، عمر بن علي بن موسى البزار، تحقيق زهير الشاويش، المكتب الإسلامي-بيروت، الطبعة الثالثة، 1980.

 

[22] نص على ذلك في نصوص كثيرة منها قوله في كتاب الإيمان (طبعة المكتب الإسلامي-دمشق، الطبعة الثالثة، 1988، ص109) "وقولهم: اللفظ إن دل بلا قرينة فهو حقيقة، وإن لم يدل إلا معها فهو مجاز، فقد تبين بطلانه"، وتلميذ ابن تيمية وهو ابن القيم يعتبر المجاز في كتابه ( الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة طاغوتا فيقول: "فصل في كسر الطاغوت الثالث الذي وضعته الجهمية لتعطيل حقائق الأسماء والصفات وهو طاغوت المجاز" (انظر في مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ابن قيم الجوزيه، اختصره محمد بن الموصلي، مكتبة الرياض الحديثة-الرياض، 1970، أول الجزء الثاني ص2).

 

[23] الفتوحات المكية: ج1ص253.

 

[24] الفتوحات المكية: ج4ص332.

 

[25] مجموع فتاوي ابن تيمية: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فصل الفرق بين الإرادة والأمر والقضاء والإذن والتحريم والبعث والإرسال (ج11ص224).

 

[26] الفتوحات المكية: ج1ص465.

 

[27] الفتوحات المكية: ج3ص251.

 

[28] انظر في كنز العمال: رقم 19575، وهو من دعاء القنوت.

 

[29] الفتوحات المكية: ج2ص24.

 

[30] هذا الخبر لم يثبت في كتب الحديث مرفوعا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، وقال الحافظ بن حجر أنه ليس بثابت ولكن معناه صحيح. انظر في كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس، إسماعيل بن محمد العجلوني الجراحي، دار الكتب العلمية-بيروت، 1988، حرف الميم، رقم 2185.

 

[31] الفتوحات المكية: ج2ص52.

 

[32] الفتوحات المكية: ج2ص257.

 

[33] الفتوحات المكية: ج3ص14.

 

[34] الفتوحات المكية: ج3ص101.

 

[35] مجموع فتاوي ابن تيمية: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، (ج11ص240). وانظر أيضاً: الرد على ابن تيمية من كلام الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي، محمود محمود الغراب، مطبعة بن ثابت-دمشق، 1981، (ص13-15)، وأيضاً: السلفية بين أهل السنة والإمامية، السيد محمد الكثيري، سلسلة الرحلة إلى الثقلين (23) إعداد مركز الأبحاث العقائدية-طهران، (ص271-272).

 

[36] الفتوحات المكية: ج1ص119.

 

[37] الفتوحات المكية: ج1ص151.

 

[38] الفتوحات المكية: ج2ص397.

 

[39] الفتوحات المكية: ج2ص12.

 

[40] الفتوحات المكية: ج3ص117.

 

[41] الفتوحات المكية: ج4ص372.

 

[42] الفتوحات المكية: ج4ص379.

 

[43] الفتوحات المكية: ج3ص52، وكذلك: ج2ص614.

 

[44] مجموع فتاوي ابن تيمية: كتاب توحيد الربوبية (ج2ص295).

 

[45] الفتوحات المكية: ج2ص371.

 

[46] الفتوحات المكية: ج3ص378.

 

[47] مجموع فتاوي ابن تيمية: كتاب توحيد الربوبية، مسألة قول العلماء في كتاب فصوص الحكم، (ج2ص132)، رسالة حقيقة مذهب الاتحاديين القائلين بوحدة الوجود، فصل في ما بنى عليه الاتحادية أصلهم، مقالة ابن عربي مبنية على أصلين، الأصل الأول أن المعدوم شيء ثابت في العدم (ج2ص145)، جماع أمر صاحب الفصوص وذويه هدم أصول الإيمان الثلاثة (ج2ص245)، كتاب القدر، مسألة هل أفعال العباد قديمة أم مخلوقة (ج8ص400).

 

[48] الذهبي، "تاريخ الإسلام": أحداث وفيات 631-640 (ص380).

 

[49] الذهبي، "تاريخ الإسلام": أحداث وفيات 641-650 (ص279-280).

 

[50] هنري كوربان، "الخيال الخلاّق": ص200.

 

[51] الفتوحات المكية: ج1ص2.

 

[52] ابن تيمية، "جامع الرسائل": ص207.

 

[53] ابن تيمية، "جامع الرسائل": ص104-105.

 

[54] ابن تيمية، "جامع الرسائل": ص107.

 

[55] الفتوحات المكية: ج4ص482.

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: