أسفاره في المغرب

كما ورد في كتاب شمس المغرب
بعد أن بدت الشمس في الأفق وبدأت تتسلق نحو صدر السماء، بدأ معها محمد يدرك جمال المشهد البديع، فبدأت أسرار الكون تدعوه تباعاً حتى يفكّ ألغازها ويحلّ رموزها، فلم تقرّ له عين ولم يهدأ له بال، وهو يسعى وراء الآيات والعِبَر، ويطلب رجالها حتى يستفيد منهم فيكون دائماً في مزيد علمٍ وتحقيق. فمع أن الشيخ محيي الدين قد حكى في كتبه عن مئات الرجال وذكر العديد من المنازل والأقوال، فهو ما يزال يؤكّد أنّه لم يعرف منزلاً ولا نحلة ولا ملّة إلا رأى قائلاً بها ومعتقداً لها ومتّصفاً بها باعترافه من نفسه، فما يحكي مذهباً ولا نِحلة إلا عن أهلها القائلين بها وإن كان قد علمها من الله بطريق خاص، ولكنه يقول إنّ الله لا بدّ أن يريه قائلاً بها فضلاً منه وعناية.

 

فبعد أن جاب مُدنَ الأندلس وأنحاءها، وكان كلّما سمع عن شيخ في مدينة أو ناحية ذهب إليه وخالطه وسمع منه وناقشه وتعلّم منه وعلّمه، صار يتطلع إلى أفق أوسع؛ فذهب إلى بلدان المغرب العربي وإفريقية، حيث قضى سنوات عديدة فيها وانتقل مرّات عديدة بين ضفتي المضيق من الأندلس إلى مدن المغرب وتونس وبالعكس. وأغلب الظن أنه قصد المغرب أول مرّة من أجل لقاء شيخه أبي مدين، مع أنه في الحقيقة لم يلقاه، ولكنّه تعرّف هناك على بعض الرجال الذين كانوا من التلاميذ المقرّبين عند أبي مدين الذين انتشروا في أنحاء المغرب العربي. فخلال السنوات الستة التالية ما بين سنة 589 وحتى سنة 595 زار الشيخ محيي الدين العديد من مدن المغرب وتونس عدة مرات ورجع إلى الأندلس حتى ختم رحلاته بمدينة مرسية (ثم المرية)، مسقط رأسه، التي زارها سنة 595 لينهي بعض أعماله هناك، ثم بعد ذلك اعتزل لأكثر من سنة حتى بداية سنة 597 حيث لا نعرف بالتحديد كيف قضى هذه الفترة قبل أن يترك الأندلس نهائيا ويرحل إلى المغرب ومنها إلى مكّة المكرّمة.
قبل الرحيل (إشبيلية 589/1193)
لقد رأينا في الفصل السابق كيف أن الشيخ محيي الدين رضي الله عنه كان قد التقى أثناء سياحته في الساحل جنوب غربي الأندلس قرب قرية روطة الشيخ أبي عبد الله محمد بن أشرف الرندي الذي وعده أن يلقاه بإشبيلية. ولكن لما وصل الشيخ محيي الدين إلى إشبيلية أقام الله بخاطره الرحلة إلى عبد العزيز المهدوي بتونس ليراه وينتفع به. ويقول الشيخ محيي الدين أن ذلك كان يوم الثلاثاء؛ فشاور والدته في السفر فأذنت له، فأرسل له صاحبه الرندي مع شخص غريب قادم إلى إشبيلية ليقول له: "صاحبك الرندي يُقرؤك السلام وهذا كان طريقه إليك، ولكن خطر لك الساعة أن ترحل إلى تونس فسِر مسلَّماً عافاك الله، واجتماعنا إن شاء الله إذا وصلت إشبيلية".
فمن الواضح إذاً أن الشيخ محيي الدين قد خطرة له بشكل مفاجئ فكرة السفر إلى تونس، وأخذ الإذن من والدته مع أن عمره كان قريبا من ثلاثين سنة، مما يؤكّد برّه الشديد بها. ثم بعد أن بارك له صاحبه الشيخ محمد بن أشرف الرندي ودعا له بالسلامة، فعندئذ شدّ الرحال وبدأ بالترحال.
وتوضح كلوديا عدّاس من خلال مناقشتها لرسالة صفي الدين أبي المنصور ابن ظافر التي ترجمها دنيس غريل إلى الفرنسية، بالإضافة إلى كتاب "مشاهد الأسرار القدسية" الذي كتبه الشيخ الأكبر في إشبيلية بعد عودته من هذه الرحلة أنه من المحتمل أن والده قد كان مرافقا له في هذه الرحلة وذلك لأنه يذكر أنه عندما كانوا في تونس ذهبوا بصحبة بعض المشايخ يوما إلى أحد الحمامات فقضوا فيه بعض الليل ثم رجعوا إلى بيت عبد العزيز المهدوي فأمضوا بقية الليل في الذكر. ثم يقول إنه في الصباح سأله والده: ماذا حدث في الحمام؟ غير أننا لا نملك أية معلومات أخرى عن هذا الموضوع.

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: