27- فص حكمة فردية في كلمة محمدية

27- فص حكمة فردية في كلمة محمدية  
إنما كانت حكمته فردية لأنه أكمل موجود في هذا النوع الإنساني، ولهذا بُدِئَ به الأمر وختم : فكان نبي وآدم بين الماء والطين، ثم كان بنشأته العنصرية خاتم النبيين. وأولُ الأفراد الثلاثةُ، وما زاد على هذه الأولية من الأفراد فإنها عنها.
فكان عليه السلام أدلَّ دليل على ربه، فإنه أوتي جوامع الكلم التي هي مسمّيات أسماء آدم، فأشبه الدليل في تثليثه، والدليل دليل‏ لنفسه . ولما كانت حقيقته تعطي الفردية الأولى بما هو مثلث النشأة ، لذلك قال في باب المحبة التي هي أصل الموجودات «حُبِّبَ إليّ من دنياكم ثلاث» بما فيه من التثليث، ثم ذكر النساء والطيب وجعلت قرة عينه في الصلاة. فابتدأ بذكر النساء وأخَّر الصلاة، وذلك لأن‏ المرأة جزء من الرجل في أصل ظهور عينها. ومعرفة الإنسان بنفسه مقدَّمة على معرفته بربه، فإن معرفته بربه نتيجة عن معرفته بنفسه. لذلك قال عليه السلام «من عرف نفسه عرف‏ ربه». فإن شئت قلت بمنْع المعرفة في هذا الخبر والعجز عن الوصول فإنه سائغ فيه، و إن شئت قلت بثبوت المعرفة.
فالأول أن تعرفَ أنَّ نفسك لا تعرفها فلا تعرف ربك: والثاني أن تعرفها فتعرف ربك. فكان محمد صلى اللَّه عليه وسلم أوضح دليل على ربه، فإن كل جزء من العالم دليل على أصله الذي هو ربه فافهم . فإنما حُبِّب إليه النساء فحنَّ إليهن لأنه من باب حنين‏ الكل إلى جزئه، فأبان بذلك عن الأمر في نفسه من جانب الحق في قوله في هذه النشأة الإنسانية العنصرية «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي»*. ثم وصف‏ نفسه بشدة الشوق إلى لقائه فقال للمشتاقين‏ «يا داود إني أشد شوقاً إليهم» يعني المشتاقين إليه. وهو لقاء خاص: فإنه قال في حديث الدَّجَّال إن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت، فلا بد من الشوق لمن هذه صفته. فشوق الحق لهؤلاء المقربين مع كونه يراهم فيحبُ‏ أن يروه ويأبى المقام ذلك. فأشبه قوله‏ «حَتَّى نَعْلَمَ» مع‏ كونه عالماً. فهو يشتاق لهذه الصفة الخاصة التي لا وجود لهألا عند الموت، فيبل بها شوقهم إليه كما قال تعالى في حديث التردد وهو من هذا الباب «ما ترددت في شي‏ء أنا فاعله ترددي في قبض عبدي‏ المؤمن يكره الموت وأكره‏ مساءته ولا بد له من لقائي». فَبشَّرَه‏ وما قال له لا بد له من الموت لئلا يغمه بذكر الموت.   
ولما كان لا يلقى الحقَّ إلا بعد الموت كما قال عليه السلام «إن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت» لذلك قال تعالى «و لا بد له من لقائي». فاشتياق الحق لوجود هذه النسبة:
يحن الحبيب إلى رؤيتي‏
وإني إليه أشد حنينا
وتهفو النفوس ويأبى‏ القضا
فأشكو الأنين ويشكو الأنينا
فلما أبان أنه نفخ فيه من روحه، فما اشتاق إلا لنفسه. ألا تراه خلقه على صورته لأنه من روحه؟ ولما كانت نشأته من هذه الأركان الأربعة المسماة في جسده أخلاطاً، حدث‏ عن نفخه اشتعال‏ بما في جسده من الرطوبة، فكان روح الإنسان ناراً لأجل نشأته. ولهذا ما كلم اللَّه موسى إلا في صورة النار وجعل حاجته فيها. فلو كانت نشأته طبيعية لكان روحه نوراً. وكَّنى عنه بالنفخ يشير إلى أنه من نَفَس الرحمن، فإنه بهذا النفس الذي هو النفخة ظهر عينه، وباستعداد المنفوخ فيه كان الاشتعال نارألا نوراً. فبطن‏ نَفَس الرحمن‏ فيما كان به الإنسان إنساناً . ثم اشتق له منه‏ شخصاً على صورته سماه امرأة، فظهرت بصورته فحنَّ إليها حنين الشي‏ء إلى نفسه، وحنت إليه حنين الشي‏ء إلى وطنه. فحببت‏ إليه النساء، فإن اللَّه أحب مَنْ خلقه على صورته وأسجد له ملائكته النوريين على عظم قدرهم ومنزلتهم وعلو نشأتهم الطبيعية. فمن هناك وقعت المناسبة. والصورة أعظم مناسبة وأجله وأكملها: فإنها زوْجٌ أي شفعت وجود الحق ، كما كانت المرأة شفعت بوجودها الرجل فصيرته زوجاً. فظهرت الثلاثة حق ورجل وامرأة، فحن الرجل إلى ربه الذي هو أصله حنين المرأة إليه. فحبب إليه‏ ربه النساء كما أحب اللَّه من هو على صورته. فما وقع الحب إلا لمن تكوَّن عنه، وقد كان حبه لمن تكوَّن‏ منه وهو الحق. فلهذا قال «حُبِّبَ» ولم يقل أحببت من نفسه لتعلق حبه بربه الذي هو على صورته حتى في محبته لامرأته، فإنه أحبها بحب اللَّه إياه تخلقاً إلهياً. ولما أحب الرجل المرأة طلب الوصلة أي غاية الوصلة التي تكون في المحبة، فلم يكن في صورة النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح، ولهذا تعم الشهوة أجزاءه كلها، ولذلك أُمِرَ بالاغتسال منه، فعمت الطهارة كما عم الفناء فيها عند حصول الشهوة. فإن الحق غيور على عبده أن يعتقد أنه يلتذ بغيره، فطهره‏ بالغسل ليرجع بالنظر إليه فيمن فني فيه، إذ لا يكون إلا ذلك . فإذا شاهد الرجل الحق في المرأة كان شهوداً في منفعل، وإذا شاهده في نفسه- من حيث ظهور المرأة عنه- شاهده في فاعل، وإذا شاهده‏ في‏ نفسه من غير استحضار صورة ما تكوَّن عنه كان شهوده‏ في منفعلٍ عن الحق بلا واسطة. فشهوده للحق في المرأة أتم وأكمل، لأنه يشاهد الحق من حيث هو فاعل منفعل، ومن نفسه من حيث هو منفعل خاصة . فلهذا أحب صلى اللَّه عليه وسلم النساء لكمال شهود الحق فيهن، إذ لا يشاهد الحق مجرداً عن المواد أبداً، فإن اللَّه بالذات غني عن العالمين.
وإذا كان الأمر من هذا الوجه ممتنعاً، ولم‏ تكن الشهادة إلا في مادة، فشهود الحق في النساء أعظم الشهود وأكمله. وأعظم الوصلة النكاح وهو نظير التوجه الإلهي على من خلقه على صورته ليخلفه فيرى فيه‏ نفسَه‏ فسوَّاه وعَدَله ونفخ فيه من روحه الذي هو نَفَسُهُ، فظاهره خلق وباطنه حق. و لهذا وصفه بالتدبير لهذا الهيكل، فإنه تعالى به‏ «يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ» وهو العلو، «إِلَى الْأَرْضِ»، وهو أسفل سافلين، لأنها أسفل الأركان كلها. وسماهن بالنساء وهو جمع لا واحد له من لفظه، ولذلك قال عليه السلام «حُبِّب إلي من دنياكم ثلاث: النساء» ولم يقل المرأة، فراعى تأخرهن في في الوجود عنه‏ ، فإن النُّسْأة هي التأخير قال تعالى‏ «إِنَّمَا النَّسِي‏ءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ». والبيع بنسيئة يقول بتأخير، ولذلك‏ ذكر النساء. فما أحبهن إلا بالمرتبة وأنهن محل الانفعال‏ فهن له كالطبيعة للحق التي فتح فيها صور العالم بالتوجه الإرادي والأمر الإلهي الذي هو نكاح في عالم الصور العنصرية، وهمة في عالم الأرواح النورية، وترتيب مقدمات في المعاني للإنتاج. وكل ذلك نكاح الفردية الأولى في كل وجه من هذه الوجوه. فمن أحب النساء على هذا الحد فهو حب إلهي، ومن أحبهن على جهة الشهوة الطبيعية خاصة نقصه علم هذه الشهوة، فكان صورة بلا روح عنده، وإن كانت تلك الصورة في نفس الأمر ذاتَ روح ولكنها غير مشهودة لمن جاء لامرأته- ولأنثى حيث كانت- لمجرد الالتذاذ، ولكن لا يدري‏ لمن. فجهل من نفسه ما يجهل الغير منه ما لم يسمِّه هو بلسانه حتى يُعْلم كما قال بعضهم:
صح عند الناس أني عاشق‏
غير أن لم يعرفوا عشقي لمن‏
كذلك هذا أحبَّ الالتذاذ فأحب المحل الذي يكون‏ فيه وهو المرأة، ولكن غاب عنه روح المسألة. فلو علمها لعلم بمن التَذَّ ومن التَذّ وكان كاملًا.
وكما نزلت المرأة عن درجة الرجل بقوله‏ «وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» نزل المخلوق على الصورة عن درجة من أنشأه على صورته مع كونه على صورته. فبتلك‏ الدرجة التي تميز بها عنه، بها كان‏ غنياً عن العالمين وفاعلًا أوَّلًا، فإن الصورة فاعل ثان. فما له الأولية التي للْحق. فتميزت الأعيان بالمراتب‏ : فأعطى كل ذي حق حقه كلُّ عارف . فلهذا كان حب النساء لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم عن تحبب إلهي وأن اللَّهَ‏ «أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ» وهو عين حقه‏ . فما أعطاه إلا باستحقاق استحقه بمسماه: أي بذات ذلك‏ المستحق. وإنما قدم النساء لأنهن محل الانفعال، كما تقدمت الطبيعة على من وجد منها بالصورة. وليست الطبيعة على الحقيقة إلا النفَس‏ الرحماني، فإنه فيه انفتحت صور العالم أعلاه وأسفله لسريان النفخة في الجوهر الهيولاني في عالم الأجرام خاصة.
وأما سريانها لوجود الأرواح النورية والأعراض‏ فذلك سريان آخر . ثم إنه عليه السلام غلَّب في هذا الخبر التأنيث على التذكير لأنه قصد التهمُّمَ‏ بالنساء فقال «ثلاث» ولم يقل «ثلاثة» بالهاء الذي هو لعدد الذكران، إذ وفيها ذكر الطيب وهو مذكر، وعادة العرب أن تغلب التذكير على التأنيث فتقول «الفواطم وزيد خرجوا» ولا تقول خرجن. فغلبوا التذكير - وإن كان واحداً- على التأنيث وإن كن جماعة. وهو عربي، فراعى‏ صلى اللَّه عليه وسلم المعنى الذي قُصِدَ به‏ في التحبب إليه ما لم يكن يؤثر حبَّه. فعلمه اللَّه ما لم يكن يعلم وكان فضل اللَّه عليه عظيماً. فغلّب التأنيث على التذكير بقوله ثلاث بغير هَاءٍ. فما أعلَمَه صلى اللَّه عليه وسلم بالحقائق، وما أشد رعايته للحقوق! ثم إنه جعل الخاتمة نظيرة الأولى في التأنيث وأدرج بينهما المذكر . فبدأ بالنساء وختم بالصلاة وكلتاهما تأنيث، والطيب بينهما كهو في وجوده، فإن الرجل مدرج بين ذات ظهر عنه وبين امرأة ظهرت عنه، فهو بين مؤنثين: تأنيث ذات و تأنيث حقيقي. كذلك النساء تأنيث حقيقي والصلاة تأنيث غير حقيقي، والطيب مذكر بينهما كآدم بين الذات الموجود عنها وبين حواء الموجودة عنه وإن شئت قلت الصفة فمؤنثة أيضاً، وإن شئت قلت القدرة فمؤنثة أيضاً. فكن على أي مذهب شئت، فإنك لا تجد إلا التأنيث يتقدم حتى عند أصحاب العلة الذين‏ جعلوا الحق علة في وجود العالم. والعلة مؤنثة . وأما حكمة الطيب وجعله بعد النساء، فلما في النساء من روائح التكوين، فإنه أطيب الطيب عناق الحبيب. كذا قالوا في المثل السائر. ولما خُلِقَ عبداً بالاصالة لم يرفع رأسه قط إلى السيادة، بل لم يزل ساجداً واقفاً مع كونه منفعلًا حتى كوَّن اللَّه عنه ما كوَّن. فأعطاه رتبة الفاعلية في عالم الأنفاس التي هي الأعراف‏ الطيبة. فحبب إليه الطيب: فلذلك جعله بعد النساء. فراعى الدرجات التي للحق في قوله‏ «رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ» لاستوائه عليه باسمه الرحمن. فلا يبقى فيمن حوى عليه العرش من لا تصيبه الرحمة الإلهية: وهو قوله تعالى‏ «وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ»: والعرش وسع كل شي‏ء، والمستوِي‏ الرحمن. فبحقيقته يكون سريان الرحمة في العالم كما بيناه في غير موضع من هذا الكتاب، وفي‏ الفتوح المكي. وقد جَعَلَ الطيبَ- تعالى‏ - في هذا الالتحام النكاحي في براءة عائشة فقال‏ «الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ، والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ، أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ». فجعل روائحهم طيبة: لأن القول نَفَس، وهو عين الرائحة فيخرج بالطيب والخبيث‏ على حسب ما يظهر به في صورة النطق. فمن حيث هو إلهي بالأصالة كله طِيبٌ:
فهو طَيِّبٌ، ومن حيث ما يحمد ويذم فهو طيّب وخبيث. فقال في خبث الثوم هي شجرة أكره ريحه ولم يقل أكرهها. فالعين لا تُكرَه، وإنما يُكْرَه ما يظهر منها. و الكراهة لذلك إما عرفاً بملاءمة طبع وغرض، وشرع، ونقص عن كمال مطلوب وما ثَمَّ غير ما ذكرناه. ولما انقسم الأمر إلى خبيث وطيّب كما قررناه، حُبِّب إليه الطيب دون الخبيث ووصف الملائكة بأنها تتأذى بالروائح الخبيثة لما في هذه النشأة العنصرية من التعفن‏ ، فإنه مخلوق من صلصال من حمإ مسنون أي متغير الريح. فتكرهه الملائكة بالذات، كما أن مزاج الجُعَل يتضرر برائحة الورد وهي من الروائح الطيبة. فليس الورد عند الجعل بريح طيبة. ومن كان على مثل هذا المزاج معنى وصورة أضرَّ به الحقُّ إذا سمعه وسُرَّ بالباطل: وهو قوله‏ «وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وكَفَرُوا بِاللَّهِ»، ووصفهم بالخسران فقال‏ «أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ‏ ... الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ»*. فإن من لم يدرك الطيب‏ من‏ الخبيث فلا إدراك له. فما حُبّب إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إلا الطيب من كل شي‏ء وما ثَمّ إلا هو . وهل يتصور أن يكون في العالم مزاج لا يجد إلا الطيب من كل شي‏ء، لا يعرف الخبيث، أم لا؟ قلنا هذألا يكون:
فإنا ما وجدناه في الأصل الذي ظهر العالم منه وهو الحق ، فوجدناه يكره ويحب، و ليس الخبيث إلا ما يُكْرَه ولا الطيب إلا ما يُحَبُّ. والعالم على صورة الحق، والإنسان على الصورتين فلا يكون ثمَّ مزاج لا يدرك إلا الأمر الواحد من كل شي‏ء، بل ثم مزاج يدرك الطيب من الخبيث، مع علمه بأنه خبيث بالذوق طيب بغير الذوق، فيشغله إدراك الطيب منه عن الإحساس بخبثه‏ . هذا قد يكون. وأما رفع الخبث‏ من العالم- أي من الكون- فإنه لا يصح. ورحمة اللَّه في الخبيث والطيب. والخبيث عند نفسه طيب والطيب عنده خبيث. فما ثم شي‏ء طيب إل وهو من وجه في حق مزاج ما خبيث:
وكذلك بالعكس. وأما الثالث الذي به كملت الفردية فالصلاة. فقال «و جعلت قرة عيني في الصلاة» لأنها مشاهدة: وذلك لأنها مناجاة بين اللَّه وبين عبده كما قال: «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ». وهي عبادة مقسومة بين اللَّه وبين عبده بنصفين:
فنصفها للَّه ونصفها للعبد كما ورد في الخبر الصحيح عن اللَّه تعالى أنه قال «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين‏ : فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل.
يقول العبد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏: يقول اللَّه ذكرني عبدي. يقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏: يقول اللَّه حمدني عبدي. يقول العبد الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏: يقول اللَّه أثنى علي عبدي. يقول العبد مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏: يقول اللَّه مجدني عبدي: فوَّض إليَّ عبدي. فهذا النصف كله له تعالى خالص. ثم يقول العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏ : يقول اللَّه هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فأوقع الاشتراك في هذه الآية. يقول العبد اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولَا الضَّالِّينَ‏: يقول اللَّه فهؤلاء لعبدي ولعبدي‏ ما سأل. فخلُصَ هؤلاء لعبده كما خَلُصَ الأول له تعالى. فعلم من هذا وجوب قراءة الحمد للَّه رب العالمين. فمن لم يقرأها فما صلى الصلاة المقسومة بين اللَّه وبين عبده.
ولما كانت مناجاة فهي ذكر، ومن ذكر الحقَّ فقد جالَسَ الحق وجَالَسَهُ الحقُّ، فإنه صح في الخبر الإلهي أنه تعالى قال أنا جليس من ذكرني. ومَنْ جالس من ذكره و هو ذو بصر رأى جليسه. فهذه مشاهدة ورؤية. فإن لم يكن ذا بصر لم يره. فمن هنا يعلم المصلي رتبته هل يرى الحق هذه الرؤية في هذه الصلاة أم لا. فإن لم يره فليعبده بالإيمان كأنه‏ يراه فيخيله في قبلته عند مناجاته، ويلقي السمع لما يردُّ به عليه الحق‏ . فإن كان إماماً لعالَمِهِ الخاص به وللملائكة المصلين معه- فإن كل مصلٍ فهو إمام بلا شك، فإن الملائكة تصلي خلف العبد إذا صلى وحده كما ورد في الخبر- فقد حصل له رتبة الرسل في الصلاة وهي النيابة عن اللَّه. إذا قال سمع اللَّه لمن حَمِدَه، فيخبر نفسه ومنْ خلْفَه بأن اللَّه قد سمعه فتقول الملائكة والحاضرون‏ ربن ولك الحمد.
فإن اللَّه قال على لسان عبده سمع اللَّه لمن حمده. فانظر علو رتبة الصلاة وإلى أين تنتهي بصاحبها. فمن لم يحصِّل درجة الرؤية في الصلاة فما بلغ غايته ولا كان له فيها قرة عين، لأنه لم ير من يناجيه. فإن لم يسمع ما يرد من الحق عليه‏ فيها فما هو ممن ألقى سمعه‏ . ومن لم يحضر فيها مع ربه مع‏ كونه لم يسمع ولم ير، فليس بمصلّ أصلًا، ولا هو ممن أَلقى السمع وهو شهيد.
وما ثَمَّ عبادة تمنع من التصرف في غيرها- ما دامت- سوى الصلاة.
وذِكْرُ اللَّه فيها أكبر ما فيها لما تشتمل عليه من أقوال وأفعال- وقد ذكرنا صفة الرجل الكامل في الصلاة في الفتوحات المكية كيف يكون‏ - لأن اللَّه تعالى يقول‏ «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ»، لأنه شُرِعَ للمصلي ألا يتصرف في غير هذه العبادة ما دام فيه ويقال له مصلٍ. «وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ» يعني فيها: أي الذكر الذي يكون من اللَّه لعبده حين يجيبه في سؤاله.
والثناء عليه أكبر من ذكر العبد ربه فيها، لأن الكبرياء للَّه تعالى. ولذلك قال:
«وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ» وقال‏ «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيدٌ». فإلقاؤه السمع هو لما يكون من ذكر اللَّه إياه فيها. ومن ذلك أن الوجود لما كان عن حركة معقولة نقلت العالم من العدم إلى الوجود عمت الصلاة جميع الحركات وهي ثلاث: حركة مستقيمة وهي حال قيام المصلي، وحركة أفقية وهي حال ركوع المصلي، وحركة منكوسة وهي حال‏ سجوده. فحركة الإنسان مستقيمة، وحركة الحيوان أفقية، وحركة النبات منكوسة، وليس للجماد حركة من ذاته: فإذا تحرك حجر فإنما يتحرك بغيره. وأما قوله «و جعلت قرة عيني في الصلاة- ولم‏ ينسب الجعل إلى نفسه- فإنَّ تجلي الحق للمصلي إنما هو راجع إليه تعالى لا إلى المصلي: فإنه لو لم يذكر هذه الصفة عن نفسه لأمره بالصلاة على غير تجل منه له. فلما كان منه ذلك بطريق الامتنان، كانت المشاهدة بطريق الامتنان. فقال وجعلت قرة عيني في الصلاة. وليس إلا مشاهدة المحبوب‏ التي تقرُّ بها عين المحب، من الاستقرار : فتستقر العين عند رؤيته فلا تنظر معه إلى شي‏ء غيره في شي‏ء وفي غير شي‏ء . ولذلك نُهِيَ عن الالتفات في الصلاة، وأن الالتفات شي‏ء يختلسه الشيطان من صلاة العبد فيحرمه مشاهدة محبوبه. بل لو كان محبوبَ هذا الملتفت، ما التفت في صلاته إلى غير قبلته بوجهه. والإنسان يعلم حاله في نفسه هل هو بهذه المثابة في هذه العبادة الخاصة أم لا، فإن «الإنسان‏ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ولَوْ أَلْقى‏ مَعاذِيرَهُ». فهو يعرف كذبه من صدقه في نفسه، لأن الشي‏ء لا يجهل حاله فإن حاله له ذوقي. ثم إن مسمى الصلاة له قسمة أخرى، فإنه تعالى أمرنا أن نصلي له وأخبرنا أنه يصلي علينا. فالصلاة من ومنه. فإذا كان هو المصلي فإنما يصلي باسمه الآخِر، فيتأخر عن وجود العبد: وهو عين الحق الذي يخلقه‏ العبد في قلبه بنظره الفكري وبتقليده وهو الإله‏ المعتَقَد. ويتنوع بحسب ما قام بذلك المحل من الاستعداد كما قال الجنيد حين سئل عن المعرفة باللَّه والعارف فقال لون الماء لون إنائه. وهو جواب سادّ أخبر عن الأمر بما هو عليه. فهذا هو اللَّه الذي يصلي علينا. وإذا صلينا نحن كان لنا الاسم الآخر فكنا فيه‏ كما ذكرنا في حال من له هذا الاسم، فنكون عنده‏ بحسب حالنا، فلا ينظُرُ إلينألا بصورة ما جئناه‏ بها فإن المصلي هو المتأخر عن السابق في الحلبة . وقوله‏ «كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ» أي رتبته في التأخر في عبادته ربه، وتسبيحه الذي يعطيه من التنزيه استعداده، فما من شي‏ء إل وهو يسبح بحمد ربه الحليم‏ الغفور. ولذلك لا يُفْقَه‏ تسبيح العالم على التفصيل واحداً واحداً. وثمَّ مرتبة يعود الضمير على العبد المسبح فيها في قوله‏ «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» أي بحمد ذلك الشي‏ء. فالضمير الذي في قوله «بحمده» يعود على الشي‏ء أي بالثناء الذي يكون عليه كما قلنا في المعتقد إنه إنما يثني على الإله الذي في معتقده وربط به نفسه. وما كان من عمله فهو راجع إليه، فما أثنى إلا على نفسه، فإنه مَنْ مَدَحَ الصنعة فإنما مدح الصانع بلا شك، فإن حسنه وعدم حسنها راجع إلى صانعها. وإله المعتقد مصنوع للناظر فيه، فهو صنعه: فثناؤه على ما اعتقده ثناؤه على نفسه. ولهذا يَذُمُّ معتَقَد غيره، ولو أنصف لم يكن له ذلك.
إلا أن صاحب هذا المعبود الخاص جاهل بلا شك في ذلك لاعتراضه على غيره فيما اعتقده‏ في اللَّه، إذ لو عرف ما قال الجنيد لون الماء لون إنائه لسلّم لكل ذي اعتقاد ما اعتقده، وعرف اللَّه في كل صورة وكل مُعتَقَد. فهو ظان‏ ليس بعالِم، ولذلك‏ قال‏ «انا عند ظن عبدي بي» لا أظهر له إلا في صورة معتقده: فإن شاء أطلق وإن شاء قيَّد. فإله‏ المعتقدات تأخذه الحدود وهو الإله الذي وسعه قلب عبده، فإن الإله المطلق لا يسعه شي‏ء لأنه عين الأشياء وعين نفسه: والشي‏ء لا يقال فيه يسع نفسه ولألا يسعها فافهم‏ واللَّه يقول الحق وهو يهدي السبيل.
تم بحمد اللَّه وعونه وحسن توفيقه، والحمد للَّه وحده وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وكان الفراغ منه في عاشر شهر جمادي الآخرة سنة تسع وثلاثين وثمانمائة أحسن اللَّه عاقبتها بمحمد وآله آمين.
 

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





أفضل الذكر ما كان خفياً في القلب، وسريّاً في أعماق النفس، وذلك بملاحظة القلب يذكر اسم الله تعالى مع كل نبضة من نبضاته، وملاحظة نور الله تعالى يتدفق إليه مع كل قطرة تفد إليه.
فضيلة الشيخ الدكتور رمضان صبحي ديب الدمشقي [الفصل السابع من كتاب إيجاز البيان عن سيرة فضيلة الشيخ رمضان - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!