25- فص حكمة علوية في كلمة موسوية

25- فص حكمة علوية في كلمة موسوية
حكمة قتل الأبناء من أجل موسى ليعود إليه بالإمداد حياة كل من قُتِل من أجله لأنه قتل على أنه موسى. وما ثَمَّ جهلٌ‏ ، فلا بد أن تعود حياته على موسى أعني حياة المقتول من أجله- وهي حياة طاهرة على الفطرة لم تدنسها الأغراض‏ النفسية، بل هي على فطرة «بلى». فكان موسى مجموع حياة من قتل على أنه هو، فكل ما كان مهيئاً لذلك المقتول مما كان استعدادُ روحه له، كان في موسى عليه السلام. وهذا اختصاص إلهي بموسى لم يكن لأحد من قبله: فإن حِكَمَ موسى كثيرة وأنا إن شاء اللَّه أسرد منها في هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر الإلهي في خاطري. فكان هذا أول ما شوفهتُ به من هذا الباب، فما ولد موسى إل وهو مجموع أرواح كثيرة جمع قوى فعَّالة لأن الصغير يفعل في الكبير. ألا ترى الطفل يفعل في الكبير بالخاصية فينزل الكبير من رياسته إليه فيلاعبه ويزقزق‏ له ويظْهَر له بعقله.
فهو تحت تسخيره وهو لا يشعر، ثم شغله بتربيته وحمايته وتفقد مصالحه وتأنيسه‏ حتى لا يضيق صدره. هذا كله من فعل الصغير بالكبير وذلك لقوة المقام، فإن الصغير حديث عهد بربه لأنه حديث التكوين‏ والكبير أبعد. فمن كان من اللَّه أقرب سخَّر من كان من اللَّه أبعد، كخواص المَلِك للقرب منه يسخِّرون الأبعدين. كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يبرز بنفسه‏ للمطر إذا نزل ويكشف رأسه له حتى يصيب منه ويقول إنه حديث عهد بربه. فانظر إلى هذه المعرفة باللَّه من هذا النبي ما أجلَّهَ وما أعلاه وأَوضَحَها. فقد سخَّر المطرُ أفضل البشر لقربه من ربه فكان مِثْلَ الرسول الذي ينزل بالوحي عليه، فدعاه‏ بالحال بذاته فبرز إليه ليصيب منه ما أتاه به من ربه فلو لا ما حصلت له منه الفائدة الإلهية بما أصاب منه، ما برز بنفسه إليه. فهذه رسالة ماء جعل اللَّه منه كل شي‏ء حي فافهم.
وأما حكمة إلقائه في التابوت ورميه في اليمِّ: فالتابوت ناسوته، واليم ما حصل له من العلم بواسطة هذا الجسم مما أعطته القوة النظرية الفكرية والقوى‏ الحسية والخيالية التي لا يكون شي‏ء منه ولا من أمثالها لهذه النفس الإنسانية إلا بوجود هذا الجسم العنصري. فلما حصلت النفس في هذا الجسم وأُمِرَت بالتصرف فيه وتدبيره، جعل اللَّه لها هذه القوى آلات يُتَوَصَّل‏ بها إلى ما أراده اللَّه منها في تدبير هذا التابوت الذي فيه سكينة الرب .
فرُمِي به في اليم ليحصُلَ بهذه‏ القوى على فنون العلم‏ فأعلمه بذلك أنه وإن كان الروح المدبر له هو المَلِك، فإنه لا يدبره إلا به. فأصحبه هذه القوى الكائنة في هذا الناسوت الذي عبر عنه بالتابوت‏ في باب الإشارات والحِكَم.
كذلك تدبير الحق العالَم ما دبَّره إلا به وبصورته، فما دبَّره إلا به كتوقف الولد على إيجاد الوالد ، والمسببات على‏أسبابها، والمشروطات على شروطها، و المعلولات‏ على عللها ، والمدلولات على أدلتها، والمحقَّقات‏ على حقائقها. وكل ذلك من العالم وهو تدبير الحق فيه. فما دبره إلا به. وأما قولن وبصورته- أعني صورة العالم- فأعني به الأسماء الحسنى والصفات العلى التي تَسمّى الحق به واتصف بها. فما وصل إلينا من اسم تَسَمّى به إلا وجدنا معنى ذلك الاسم وروحه في العالم. فما دبر العالم أيضألا بصورة العالم.
ولذلك قال في خلق آدم الذي هو البرنامج الجامع لنعوت الحضرة الإلهية التي هي الذات والصفات والأفعال «إن اللَّه خلق آدم على صورته». وليست صورته سوى الحضرة الإلهية. فأوجد في هذا المختصر الشريف الذي هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهية وحقائق‏ ما خرج عنه في العالم الكبير المنفصل، وجعله روحاً للعالم فسخر له العلو والسفل لكمال الصورة . فكما أنه ليس شي‏ء من‏ العالم إل وهو يسبح بحمده، كذلك ليس شي‏ء من‏ العالم إل وهو مسخر لهذا الإنسان لما تعطيه حقيقة صورته. فقال تعالى‏ «وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ». فكل ما في العالم تحت تسخير الإنسان، عَلِمَ ذلك من علمه- وهو الإنسان الكامل- وجهل ذلك من جهله، وهو الإنسان الحيوان. فكانت صورة إلقاء موسى في التابوت، وإلقاء التابوت في اليم صورة هلاك، وفي الباطن كانت نجاة له من القتل. فحيي كما تحيا النفوس بالعلم من موت الجهل، كما قال تعالى‏ « ومَنْ كانَ مَيْتاً» يعني بالجهل‏ «فَأَحْيَيْناهُ» يعني‏ بالعلم، «وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ» وهو الهدى، «كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ» وهي الضلال‏ «لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها» أي لا يهتدي أبداً: فإن الأمر في نفسه لا غاية له يوقف‏ عندها . فالهدى هو أن يهتدي الإنسان‏ إلى الحيرة، فيعلم‏ أن الأمر حيرة والحيرة قلق وحركة، والحركة حياة. فلا سكون، فلا موت، ووجود، فلا عدم. وكذلك في الماء الذي به حياة الأرض وحركَتُها، قوله تعالى‏ «اهْتَزَّتْ» وحَمْلُهَا، قوله‏ «وَ رَبَتْ»، وولادَتُهَا قوله‏ «وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ». أي أنها ما ولدت إلا من يشبهها أي طبيعياً مثلها. فكانت الزوجية التي هي الشفعية لها بما تولد منه وظهر عنها. كذلك وجود الحق كانت الكثرة له وتعداد الأسماء أنه كذ وكذا بما ظهر عنه من العالم الذي يطلب بنشأته حقائق الأسماء الإلهية. فثبت‏ به وبخالقه‏ أحدية الكثرة، وقد كان أحدي العين من حيث ذاته كالجوهر الهيولاني أحدي العين من حيث ذاته، كثير بالصور الظاهرة فيه التي هو حامل لها بذاته. كذلك الحق بما ظهر منه من صور التجلي، فكان مجلى صور العالم مع الأحدية المعقولة . فانظر ما أحسن هذا التعليم الإلهي الذي خص اللَّه بالاطلاع عليه من شاء من عباده. ولما وجده آل فرعون في اليمِّ عند الشجرة سماه فرعون مُوسى: والمو هو الماء بالقبطية والسَّا هو الشجرة ، فسماه بما وجده عنده، فإن التابوت وقف عند الشجرة في اليم. فأراد قتله فقالت‏ امرأته- وكانت مُنْطَقَةً بالنطق الإلهي- فيما قالت‏ لفرعون، إذ كان اللَّه تعالى خلقها للكمال كما قال عليه السلام عنها حيث شهد له ولمريم بنت عمران بالكمال الذي هو للذُّكران‏ - فقالت لفرعون في حق موسى إنه‏ «قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ». فبه قرَّت عينها بالكمال‏ الذي حصل لها كما قلنا، وكان قرة عين لفرعون‏ بالإيمان الذي أعطاه اللَّه عند الغرق.
فقبضه طاهراً مطهراً ليس فيه شي‏ء من الخبث لأنه قبضه عند إيمانه قبل أن يكتسب شيئاً من الآثام. والإسلام يَجُبُ‏ ما قبله. وجعله آية على عنايته سبحانه بمن شاء حتى لا ييأس أحد من رحمة اللَّه، «فإنه‏ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ‏ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ». فلو كان فرعون ممن‏ يئس ما بادر إلى الايمان.
فكان موسى عليه السلام كما قالت امرأة فرعون فيه «إنه‏ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى‏ أَنْ يَنْفَعَنا». وكذلك وقع فإن اللَّه نفعهما به عليه السلام وإن كانا ما شعرا بأنه هو النبي الذي يكون على يديه هلاك ملك فرعون وهلاك آله. ولما عصمه اللَّه من فرعون‏ «أَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى‏ فارِغاً» من الهم الذي كان قد أصابها. ثم إن اللَّه حرم عليه المراضع حتى أقبل على ثدي أمه فأرضعته ليكمِّل اللَّه لها سرورها به. كذلك‏ علم الشرائع، كما قال تعالى‏ «لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً ومِنْهاجاً» أي طريقاً. ومنهاجاً أي من تلك الطريقة جاء . فكان هذا القول إشارة إلى الأصل الذي منه جاء. فهو غذاؤه كما أن فرع الشجرة لا يتغذى إلا من أصله.
فما كان حراماً في شرع يكون حلالًا في شرع آخر يعني في الصورة: أعني‏ قولي يكون حلالًا، وفي نفس الأمر ما هو عين ما مضى، لأن الأمر خلق جديد ولا تكرار. فلهذا نبهناك. فكنَّى عن هذا في حق موسى بتحريم المراضع:
فأمه على الحقيقة من أرضعته لا من ولدته، فإن أم الولادة حملته على جهة الأمانة فتكوَّن فيه وتغذى بدم طمثها من غير إرادة لها في ذلك حتى لا يكون لها عليه امتنان، فإنه ما تغذى إلا بما لو لم يَتَغَذَّ به ولم‏ يَخْرُج عنها ذلك الدم لأهلكه وأمرضها. فللجنين المنة على أمه بكونه تغذى بذلك الدم فوقاها بنفسه من الضرر الذي كانت تجده لو امتسك ذلك الدم عنده ولا يخرج ولا يتغذى به جنينها. والمرضعة ليست كذلك، فإنها قصدت برضاعته حياته وإبقائه. فجعل اللَّه ذلك لموسى في أم ولادته، فلم يكن لامرأة عليه فضل إلا لأم ولادته لتقر عينها أيضاً بتربيته وتشاهد انتشاءه‏ في حجرها، «وَ لا تَحْزَنَ». ونجاه اللَّه من غم التابوت، فخرق ظلمة الطبيعة بما أعطاه اللَّه من العلم الإلهي وإن لم يخرج عنها، وفتنه فتوناً أي اختبره في مواطن كثيرة ليتحقق في نفسه صبره على ما ابتلاه اللَّه‏ به. فأول ما أبلاه اللَّه به‏ قتله القبطي بما ألهمه اللَّه وو فقه له في سِرِّه‏ وإن لم يعلم بذلك، ولكن لم يجد في نفسه اكتراثاً بقتله مع كونه ما توقف حتى يأتيه أمر ربه بذلك، لأن النبي معصوم الباطن من حيث لا يشعر حتى يُنَبَّأ أي يخبر بذلك. و لهذا أراه الخضر قتل الغلام فأنكر عليه قتله ولم يتذكر قتله القبطي فقال له الخضر «ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي» ينبهه‏ على مرتبته قبل أن ينبأ أنه كان معصوم الحركة في نفس الأمر وإن لم يشعر بذلك. و أراه أيضاً خرق السفينة التي ظاهرها هلاك وباطنها نجاة من يد الغاصب. جعل له ذلك‏ في مقابلة التابوت له الذي كان في اليمِّ مُطبقاً عليه. فظاهره هلاك وباطنه نجاة.
وإنما فعلت به أمه ذلك خوفاً من يد الغاصب فرعون أن يذبحه صبر وهي تنظر إليه، مع الوحي الذي ألهمها اللَّه به من حيث لا تشعر. فوجدت في نفسها أنها ترضعه فإذا خافت عليه ألقته في اليم لأن في المَثَل «عين لا ترى قلب لا يفجع» . فلم تخفْ عليه خوف مشاهدة عين، ولا حزنت عليه حزن رؤية بصر، وغلب على ظنها أن اللَّه ربما ردَّه إليها لحسن‏ ظنها به. فعاشت بهذا الظن في نفسها، والرجاء يقابل الخوف واليأس، وقالت حين أُلْهِمَتْ لذلك‏ لعل هذا هو الرسول الذي يهلك فرعون والقبط على يديه. فعاشت وسُرَّتْ بهذا التوهم والظن بالنظر إليها، وهو علم في نفس الأمر. ثم‏ إنه لما وقع عليه الطلب خرج فارّاً- خوفاً في الظاهر، وكان في المعنى حبًّا للنجاة. فإن الحركة أبداً إنما هي حبِّية، ويُحْجب‏ الناظر فيها بأسباب أخر ، وليست تلك 34. وذلك لأن الأصل حركة العلم من العدم الذي كان ساكناً فيه إلى الوجود، ولذلك يقال إن الأمر حركة عن سكون: فكانت‏ الحركة التي هي وجود العالم حركة حب. وقد نبَّه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على ذلك بقوله «كنت كنزاً لم أُعْرَف فأحببت أن أُعْرف‏ ». فلو لا هذه المحبة ما ظهر العالم في عينه. فحركته من العدم إلى الوجود حركة حب الموجِد لذلك: ولأن العالم أيضاً يحب شهود نفسه وجوداً كما شهدها ثبوتاً، فكانت بكل وجه حركته من العدم الثبوتي إلى الوجود حركة حبٍ من جانب الحق وجانبه: فإن‏ الكمال محبوب لذاته، وعلمه تعالى بنفسه من حيث هو غني عن العالمين، هُوَ لَهُ‏ . وما بقي إلا تمام مرتبة العلم بالعلم‏ الحادث الذي يكون من هذه الأعيان، أعيان العالم، إذا وجدت. فتظهر صورة الكمال بالعلم المحدَث والقديم فتكمل مرتبة العلم بالوجهين، وكذلك تكمل مراتب الوجود: فإن الوجود منه أزلي وغير أزلي وهو الحادث. فالأزلي وجود الحق لنفسه، وغير الأزلي وجود الحق بصورة العالم الثابت. فيسمى‏ حدوثاً لأنه ظهر بعضه لبعضه وظهر لنفسه بصور العالم. فكمل الوجود فكانت حركة العالم حبيَّة للكمال فافهم . ألا تراه كيف نفَّس عن الأسماء الإلهية ما كانت تجده من عدم ظهور آثارها في عين‏ مسمى العالم، فكانت الراحة محبوبة له‏ ، ولم يوصل إليهألا بالوجود الصوري الأعلى والأسفل. فثبت أن الحركة كانت للحب، فما ثَمَّ حركة في الكون إل و هي حبيَّة. فمن العلماء من يعلم ذلك ومنهم من يحجبه السبب الأقرب لحكمه‏ في الحال واستيلائه على النفس. فكان الخوف لموسى مشهوداً له بما وقع من قتله القبطي، وتضمَّن الخوفُ حبَّ النجاة من القتل . ففر لمَّا خاف، وفي المعنى ففر لمَّا أحبَّ النجاة من فرعون وعمله به.
فذكر السبب الأقرب المشهود له في الوقت الذي هو كصورة الجسم للبشر.
وحب النجاة مُضَمن‏ فيه تضمين الجسد للروح المدبر له. والأنبياء لهم لسان الظاهر به يتكلمون لعموم الخطاب، واعتمادهم على فهم العالِمِ السامع.
فلا يَعْتَبر الرسل إلا العامة لعلمهم بمرْتبة أهل الفهم، كما نبه عليه السلام على‏ هذه المرتبة في العطايا فقال «إني لأعطي الرجل وغيرُهُ أَحب إليّ منه مخافة أن يكبه اللَّه في النار». فاعتبر الضعيف العقل والنظر الذي غلب عليه الطمع والطبْع. فكذا ما جاءوا به من العلوم جاءوا به وعليه خِلْعَة أدنى الفهوم ليقف من لا غوْصَ‏ له عند الخلعة، فيقول ما أحسن هذه الخلعة ويراها غاية الدرجة. ويقول صاحب الفهم الدقيق الغائص على درر الحِكَم- بما استوجب هذا- «هذه الخلعة من الملك». فينظر في قدر الخلعة وصنفها من الثياب، فيعلم منها قدر من خلعت عليه، فيعثر على علم لم يحصل لغيره ممن لا علم له بمثل هذا.
ولما علمت الأنبياء والرسل والورثة أن في العالم وأممهم‏ من هو بهذه المثابة، عمدوا في العبارة إلى اللسان الظاهر الذي يقع فيه اشتراك‏ الخاص والعام، فيفهَم منه الخاص ما فهم العامة منه وزيادة مما صح له به اسم أنه‏ خاص، فيتميز به عن العامي. فاكتفى‏ المبلغون‏ العلوم بهذا. فهذا حكمة قوله عليه السلام‏ «فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ»، ولم يقل ففررت منكم حباً في السلامة والعافية. فجاء إلى مدين فوجد الجاريتين‏ «فَسَقى‏ لَهُما» من غير أجر، «ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ» الإلهي فقال‏ «رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ» فجعل عين عمله‏ السقي عين الخير الذي أنزله اللَّه إليه، ووصف نفسه بالفقر إلى اللَّه في الخير الذي عنده. فأراد الخضر إقامة الجدار من غير أجر فعتبه‏ على ذلك، فذكره سقايته من غير أجر، إلى غير ذلك مما لم‏ يذكر حتى تمنى صلى اللَّه عليه وسلم أن يسكت موسى عليه السلام ولا يعترض حتى يقص‏ اللَّه عليه من أمرهما فيعلم بذلك ما وفق إليه موسى من غير علم منه. إذ لو كان على‏ علم ما أنكر مثل ذلك على الخضر الذي قد شهد اللَّه له عند موسى وزكاه وعدَّله‏ . ومع هذا غفل موسى عن تزكية اللَّه‏ وعما شرطه‏ عليه في اتباعه، رحمة بنا إذا نسينا أمر اللَّه. ولو كان موسى عالماً بذلك لما قال له الخضر «ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً» أي إني على علم لم يحصل لك عن ذوق كما أنت على علم لا أعلمه أنا . فأنْصَفَ. وأما حكمة فراقه فلأن الرسول يقول اللَّه فيه‏ «وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا». فوقف العلماء باللَّه الذين يعرفون قدر الرسالة والرسول عند هذا القول. وقد علم الخضر أن موسى رسول اللَّه فأخذ يرقب ما يكون منه ليوفي الأدب حقه مع الرسول‏ : فقال له‏ «إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي» فنهاه عن صحبته. فلما وقعت منه الثالثة قال: «هذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ». ولم يقل له موسى لا تفعل ولا طلب صحبته لعلمه بقدر الرتبة التي هو فيها التي نطقته بالنهي عن أن يصحبه. فسكت موسى ووقع الفراق. فانظر إلى كمال هذين الرجلين في العلم وتوفيقة الأدب الإلهي حقه وإنصاف الخضر فيما اعترف به عند موسى عليه السلام حيث قال له «أنا على علم علمنيه اللَّه لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه اللَّه لا أعلمه أنا». فكان هذا الإعلام في الخضر لموسى دواء لما جرحه به في قوله‏ «وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلى‏ ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً» مع علمه بعلو رتبته بالرسالة، وليست تلك الرتبة للخضر. وظهر ذلك في الأمة المحمدية في حديث إبَار النخل، فقال عليه السلام لأصحابه «أنتم أعلم بمصالح دنياكم».
ولا شك أن العلم بالشي‏ء خير من الجهل به: ولهذا مدح اللَّه نفسه بأنه بكل‏ شي‏ء عليم‏ فقد اعترف صلى اللَّه عليه وسلم لأصحابه بأنهم أعلم بمصالح الدنيا منه لكونه لا خبرة له بذلك فإنه علم ذوق وتجربة ولم يتفرغ عليه السلام لعلم ذلك، بل كان‏ شغله بالأهم فالأهم. فقد نبهتك على أدب عظيم تنتفع به إن استعملت نفسك فيه. وقوله‏ «فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً» يريد الخلافة، «وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ» يريد الرسالة : فما كل رسول خليفة.
فالخليفة صاحب السيف والعزل والولاية. والرسول ليس كذلك: إنما عليه بلاغ‏ ما أُرسل به: فإن قاتل عليه وحماه بالسيف فذلك الخليفة الرسول. فكما أنه ما كل نبي رسول، كذلك ما كل رسول خليفة- أي ما أُعْطِيَ الملك ولا التحكم فيه. وأما حكمة سؤال فرعون عن الماهية الإلهية فلم يَكن‏ عن جهل، وإنما كان عن اختبار حتى يرى جوابه مع دعواه الرسالة عن ربه- وقد علم فرعون مرتبة المرسلين في العلم- فيستدل بجوابه على صدق دعواه. وسأل سؤال إيهام‏ من أجل الحاضرين حتى يعرِّفهم من حيث لا يشعرون بما شعر هو في نفسه في سؤاله: ف إذا أجابه جواب العلماء بالأمر أظهر فرعون- إبقاء لمنصبه- أن موسى ما أجابه على سؤاله، فيتبين عند الحاضرين- لقصور فهمهم- أن فرعون أعلم من موسى. ولهذا لما قال له في الجواب ما ينبغي- وهو في الظاهر غير جواب ما سئل عنه، وقد علم فرعون أنه لا يجيبه إلا بذلك- فقال لأصحابه‏ «إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ» أي مستور عنه علم ما سألته عنه، إذ لا يتصور أن يعلم أصلًا. فالسؤال صحيح، فإن السؤال‏ عن الماهية سؤال عن حقيقة المطلوب، ولا بد أن يكون على حقيقة في نفسه‏ .
وأما الذين جعلوا الحدود مركبة من جنس وفصل، فذلك في كل ما يقع فيه الاشتراك، و مَنْ لا جنس له لا يلزم ألّا يكون على حقيقة في نفسه لا تكون لغيره. فالسؤال صحيح على مذهب أهل الحق والعلم الصحيح والعقل السليم، والجواب عنه لا يكون إلا بما أجاب به موسى. وهنا سر كبير، فإنه أجاب بالفعل لمن سأل عن الحد الذاتي، فجعل الحد الذاتي عين إضافته إلى ما ظهر به من صور العالم، وما ظهر فيه من صور العالم. فكأنه قال في جواب قوله‏ «وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ»- قال- الذي يظهر فيه صور العالمين من علو- وهو السماء- وسفل وهو الأرض: «إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ»، ويظهر هو بها. فلما قال فرعون لأصحابه «إنه لمجنون» كما قلنا في معنى كونه مجنوناً، زاد موسى في البيان‏ ليَعْلم فرعون رتبته‏ في العلم الإلهي لعلمه بأن فرعون يعلم ذلك: فقال: «رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ» فجاء بما يَظْهَر ويُسْتَر، وهو الظاهر والباطن، وما بينهم وهو قوله‏ «بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ»*. «إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ»* : أي إن كنتم أصحاب تقييد، فإن العقل يقيد . فالجواب الأول جواب الموقنين وهم أهل الكشف والوجود.
فقال له‏ «إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ» أي أهل كشف ووجود، فقد أعلمتكم بما تيقنتموه في شهودكم ووجودكم، فإن‏ لم تكونوا من هذا الصنف، فقد أجبتكم في الجواب الثاني إن كنتم أهل عقل وتقييد و حصر. ثم الحقُّ فيما تعطيه أدلة عقولكم. فظهر موسى بالوجهين ليعلم فرعون فضله و صدقه. وعلِمَ موسى أن فرعون علم ذلك‏ - ويعلم ذلك- لكونه سأل عن الماهية، فعلم أنه ليس سؤاله على اصطلاح القدماء في السؤال بما ، فلذلك‏ أجاب. ولو علم منه غير ذلك لخطَّأه في السؤال. فلما جعل موسى المسئول عنه عين العالم، خاطبه فرعون بهذا اللسان‏ والقوم لا يشعرون. فقال له‏ «لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ».
والسين في «السجن» من حروف الزوائد: أي لأسترنك: فإنك أجبت بما أيدتني به أن أقول لك مثل هذا القول. فإن قلت لي: فقد جهلت يا فرعون بوعيدك إياي، والعين واحدة، فكيف فرقت، فيقول فرعون إنما فرَّقَتْ المراتب‏ العينَ، ما تفرقت العين ولا انقسمت في ذاتها. ومرتبتي الآن التحكم فيك يا موسى بالفعل، وأنا أنت بالعين وغيرك بالرتبة. فلما فهم‏ ذلك موسى منه أعطاه حقه في كونه‏ يقول له لا تقدر على ذلك، والرتبة تشهد له بالقدرة عليه وإظهار الأثر فيه: لأن الحق في رتبة فرعون من الصورة الظاهرة، لها التحكم على الرتبة التي كان فيها ظهور موسى في ذلك المجلس. فقال له، يظهر له المانع من تعديه عليه، « ولَوْ جِئْتُكَ بِشَيْ‏ءٍ مُبِينٍ». فلم يسَعْ فرعونَ إلا أن يقول له‏ «فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ» حتى لا يظهر فرعون عند الضعفاء الرأي من قومه‏ بعدم الإنصاف فكانوا يرتابون فيه، وهي الطائفة التي استخفها فرعون فأطاعوه‏ «إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ»: أي خارجين عما تعطيه العقول الصحيحة من إنكار ما ادعاه فرعون باللسان الظاهر في العقل، فإن له حداً يقف عنده إذا جاوزه‏ صاحب الكشف واليقين. ولهذا جاء موسى في الجواب‏ بما يقبله الموقن والعاقل خاصة . «فَأَلْقى‏ عَصاهُ»*، وهي صورة ما عَصَى به فرعونُ موسى في إبائه عن إجابة دعوته، «فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ»* أي حيَّة ظاهرة. فانقلبت المعصية التي هي السيئة طاعة أي حسنة كما قال‏ «يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» يعني في الحكم. فظهر الحكم هنا عيناً متميزة في جوهر واحد . فهي العص وهي الحية و الثعبان الظاهر، فالتقم أمثاله من الحيَّات من كونها حية والعصيَّ من كونها عصاً. فظهرت‏ حجة موسى على حجج فرعون في صورة عِصيّ وحيات وحبال، فكانت للسحرة الحبال‏ ولم يكن لموسى حبل. والحبل التل الصغير: أي مقاديرهم بالنسبة إلى قدر موسى بمنزلة الحبال من الجبال الشامخة. فلما رأت السحرة ذلك علموا رتبة موسى في العلم، وأن الذي رأوه ليس من مقدور البشر: وإن كان من مقدورا لبشر فلا يكون إلا ممن له تميز في العلم المحقَّق عن التخيل والإيهام. فآمنوا برب العالمين رب موسى وهارون: أي الرب الذي يدعو إليه موسى وهارون، لعلمهم بأن القوم يعلمون أنه ما دعا لفرعون. و لما كان فرعون في منصب التحكم صاحب الوقت، وأنه الخليفة بالسيف- وإن جار في العرف الناموسي- لذلك قال‏ «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏»: أي وإن كان الكل أرباباً بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أُعْطِيته في الظاهر من التحكم فيكم. ولما علمت السحرة صدقه في مقاله لم ينكروه وأقروا له بذلك فقالوا له: إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فاقض ما أنت قاض‏ ، فالدولة لك‏ . فصح قوله‏ «أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى‏». وإن كان عين‏ الحق فالصورة لفرعون. فقطع الأيدي والأرجل وصلب بعين حق في صورة باطل لنيل مراتب لا تنال إلا بذلك الفعل. فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها لأن الأعيان الثابتة اقتضتها، فلا تظهر في الوجود إلا بصورة ما هي عليه في الثبوت إذ لا تبديل لكلمات اللَّه. وليست كلمات اللَّه سوى أعيان الموجودات ، فينسب إليها القدم من حيث ثبوتها، وينسب إليها الحدوث من حيث وجوده وظهورها. كما تقول حدث عندنا اليوم إنسان وضيف، ولا يلزم من حدوثه أنه ما كان له وجود قبل هذا الحدوث. لذلك‏ قال تعالى في كلامه العزيز أي في إتيانه مع قدم كلامه‏ «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وهُمْ يَلْعَبُونَ»: «ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ». والرحمن‏ لا يأتي إلا يأتي إلا بالرحمة. ومن أعرض عن الرحمة استقبل العذاب الذي هو عدم الرحمة. وأما قوله‏ «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ» إلا قوم يونس، فلم يدل ذلك على أنه لا ينفعهم في الآخرة لقوله‏ في الاستثناء إلا قوم يونس، فأراد أن ذلك لا يرفع عنهم الأخذ في الدنيا، فلذلك أخذ فرعون مع وجود الإيمان منه. هذا إن كان أمره أمر من تيقن بالانتقال في تلك الساعة. وقرينة الحال تعطي أنه ما كان على يقين من الانتقال، لأنه عاين المؤمنين يمشون في الطريق اليَبَس الذي ظهر بضرب موسى بعصاه البحر. فلم يتيقن فرعون بالهلاك إذ آمن، بخلاف‏ «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ، إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا»  
المحتضر حتى لا يلحق به. فآمن بالذي آمنت به بنو إسرائيل على التيقن‏ بالنجاة، فكان كما تيقن لكن على‏ غير الصورة التي أراد. فنجاه اللَّه من عذاب الآخرة في نفسه، ونجَّى بدَنه كما قال تعالى‏ «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً»، لأنه لو غاب بصورته ربما قال قومه احتجب. فظهر بالصورة المعهودة ميتاً ليُعْلَم أنه هو. فقد عمته النجاة حس ومعنى. ومن حَقَّت عليه كلمة العذاب الأخروي لا يؤمن و لو جاءته كل آية حتى يروا العذاب الأليم، أي يذوقوا العذاب الأخروي. فخرج فرعون من هذا الصنف. هذا هو الظاهر الذي ورد به القرآن. ثم إنّا نقول بعد ذلك: والأمر فيه إلى اللَّه، لما استقر في نفوس عامة الخلق من شقائه، وما لهم نص‏ في ذلك يستندون إليه. وأما آله فلهم حكم آخر ليس هذا موضعه. ثم لتعلم أنه ما يقبض اللَّه أحدأل وهو مؤمن أي مصدِّق بما جاءت به الأخبار الإلهية: وأعني من المحتضرين : ولهذا يُكرَه موت الفجاءة وقتل الغفلة. فأما موت الفجاءة فحدُّه أن يخرج النفس الداخل ولا يدخل النفس الخارج. فهذا موت الفجاءة. وهذا غير المحتضر. و كذلك قتل الغفلة بضرب عنقه من ورائه وهو لا يشعر: فيقبض على ما كان عليه من إيمان وكفر. ولذلك قال عليه السلام «و يحشر على ما عليه مات‏ » كما أنه يُقْبَض على ما كان عليه. والمحتضر ما يكون إلا صاحب شهود، فهو صاحب إيمان بما ثَمَّة . فلا يقبض إلا على ما كان عليه، لأن «كان» حرف وجودي‏ لا ينجر معه الزمان إلا بقرائن الأحوال: فيفرق بين الكافر المحتَضَر في الموت وبين الكافر المقتول غفلة والميت فجاءة كما قلنا في حد الفجاءة. وأما حكمة التجلي و الكلام‏ في صورة النار، فلأنها كانت بغية موسى . فتجلى له في مطلوبه ليُقْبِلَ عليه ولا يعرض عنه. فإنه لو تجلى له في غير صورة مطلوبه أعرض عنه لاجتماع همه‏ على مطلوب خاص. ولو أعرض لعاد عمله عليه وأعرض‏ عنه الحق، وهو مصطفىً مقرب. فمن قربه أنه تجلى له في مطلوبه وهو لا يعلم.
كنار موسى رآها عين حاجته‏
وهو الإله ولكن ليس يدريه‏

 

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





يَا بَدِيْعَ: السَّمَوَات وَالأَرْضِ عَنْ غَيْرِ قِيَاسٍ وَلاَ مِثَالٍ، أَظْهِرْ لي مِنْ بَدَائِعِ حِكْمَتِكَ مَا يَنْفِي كُلَّ اِلْتِبَاسٍ وَيُوَضِّحُ كُلَّ إِشْكَالٍ.ط
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب النور الأسنى بمناجاة الله بأسمائه الحسنى - -]

Social Sharing

Like Our Facebook Page:
SINGLEMONAD

Like Our Facebook Page:
IBNALARABICOM


Like this Page on Facebook:

Select any TEXT to Tweet it!