19 - فص حكمة غيبية في كلمة أَيوبية

19 - فص حكمة غيبية في كلمة أَيوبية
اعلم أن سر الحياة سرى في الماء فهو أصل العناصر والأركان، ولذلك جعل اللَّه‏ «مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْ‏ءٍ حَيٍّ»: وما ثم شي‏ء إل وهو حي، فإنه ما من شي‏ء إل وهو يسبح بحمد اللَّه ولكن لا نفقة تسبيحه إلا بكشف إلهي. ولا يسبِّح إلا حي.
فكل شي‏ء حي. فكل شي‏ء الماء أصله. ألا ترى العرش كيف كان على الماء لأنه‏ منه تكوَّن فطفا عليه فهو يحفظه من تحته، كما أن الإنسان خلقه اللَّه عبداً فتكبر على ربه وعلا عليه، فهو سبحانه مع هذا يحفظه من تحته بالنظر إلى علو هذا العبد الجاهل بنفسه، وهو قوله عليه السلام «لو دليتم بحبل لهبط على اللَّه». فأشار إلى نسبة التحت إليه كما أن‏ نسبة الفوق‏ إليه في قوله‏ «يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ»، «وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ»*. فله الفوق والتحت. ولهذا ما ظهرت الجهات الست إلا بالإنسان، وهو على صورة الرحمن. ولا مطعم إلا اللَّه، وقد قال في حق طائفة «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ والْإِنْجِيلَ»، ثم نكر وعمَ‏ فقال‏ «وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ»، فدخل في قوله‏ «وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ» كل حكم‏ منزل على لسان رسول وملهم، «لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ» وهو المطعم من الفوقية التي نسبت‏ إليه، «وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ»، وهو المطعم من التحتية التي نسبها إلى نفسه على لسان رسوله المترجم عنه صلى اللَّه عليه وسلم. ولو لم يكن العرش على الماء ما انحفظ وجوده، فإنه بالحياة ينحفظ وجود الحي. ألا ترى الحي إذا مات الموت العرفي تنحل أجزاء نظامه وتنعدم قواه عن ذلك النظم الخاص؟ قال تعالى‏ لأيوب‏ «ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ»، يعني ماء، «بارِدٌ» لما كان عليه من إفراط حرارة الألم، فسكَّنه اللَّه ببرد الماء. ولهذا كان الطب النقص من الزائد والزيادة في الناقص. والمقصود طلب الاعتدال، ولا سبيل إليه إلا أنه يقاربه. وإنما قلن ولا سبيل إليه- أعني الاعتدال- من أجل أن الحقائق والشهود تعطي التكوين مع الأنفاس على الدوام، ولا يكون التكوين إلا عن ميل في الطبيعة يسمى انحراف وتعفيناً ، وفي حق الحق إرادة وهي ميل إلى المراد الخاص دون غيره. والاعتدال يؤذن بالسواء في الجميع، وهذا ليس بواقع، فلهذا مَنَعْنَا من حكم الاعتدال. وقد ورد في العلم الإلهي النبوي اتصاف الحق بالرض والغضب، و بالصفات. والرضا مزيل للغضب، والغضب مزيل للرضا عن المرضي عنه والاعتدال أن يتساوى الرض والغضب، فما غضب الغاضب على من غضب عليه وهو عنه راض. فقد اتصف بأحد الحكمين في حقه وهو ميل. وما رضي الراضي عمن رضي عنه وهو غاضب عليه، فقد اتصف بأحد الحكمين في حقه وهو ميل. وإنما قلنا هذا من أجل من يرى أن أهل النار لا يَزَال غضب اللَّه عليهم دائماً أبداً في زعمه . فما لهم حكم الرضا من اللَّه، فَصَحَّ المقصود.
فإن كان كما قلنا مآل أهل النار إلى إزالة الآلام وإن سكنوا النار، فذلك رضا: فزال الغضب لزوال الآلام‏ ، إذا عين الألم عين الغضب إن فهمت. فمن غضب فقد تأذَّى، فلا يسعى في انتقام المغضوب عليه بإيلامه إلا ليجد الغاضب الراحة بذلك، فينتقل الألم الذي كان عنده إلى المغضوب عليه. والحق إذا أفردته عن العالم يتعالى علواً كبيراً عن هذه الصفة على هذا الحد. وإذا كان الحق هُوِيَّة العالم، فما ظهرت الأحكام كلهألا منه وفيه، و هو قوله‏ «وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» حقيقة وكشفاً «فَاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ» حجاب وستراً . فليس في الإمكان أبدع من هذا العالم لأنه على صورة الرحمن، أوجده اللَّه أي ظهر وجوده تعالى بظهور العالم كما ظهر الإنسان بوجود الصورة الطبيعية. فنحن صورته الظاهرة، وهويته روح هذه الصورة المدبرة لها.
فما كان التدبير إلا فيه كما لم يكن إلا منه. ف هُوَ «الْأَوَّلُ» بالمعنى‏ «وَ الْآخِرُ» بالصورة وهو «الظَّاهِرُ» بتغير الأحكام والأحوال، «وَ الْباطِنُ» بالتدبير، «وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ» فهو على كل شي‏ء شهيد، ليعْلَم عن شهود لا عن فكر.
فكذلك علم الأذواق لا عن فكر وهو العلم الصحيح وما عداه فحدس وتخمين ليس بعلم أصلًا. ثم كان لأيوب عليه السلام ذلك الماء شراباً لإزالة ألم العطش الذي هو من النُّصْبِ والعذاب الذي مسه به الشيطان ، أي البعد عن الحقائق أن يدركها على ما هي عليه فيكون بإدراكها في محل القرب. فكل مشهود قريب من العين ولو كان بعيداً بالمسافة. فإن البصر يتصل به من حيث شهوده ولو لا ذلك لم يشهده، ويتصل المشهود بالبصر كيف كان. فهو قرب بين البصر والمبصَر. ولهذا كنَّى أيوب في المس، فأضافه إلى الشيطان مع قرب المس فقال البعيد مني قريب لحكمه‏ فيّ. وقد علمت أن البعد والقرب أمران إضافيان، فهما نسبتان لا وجود لهما في العين مع ثبوت أحكامها في البعيد والقريب. واعلم أن سر اللَّه في أيوب الذي جعله‏ عبرة لن وكتاباً مسطوراً حالياً تقرؤه هذه الأمة المحمدية لتعلم ما فيه فتلحق بصاحبه تشريفاً لها. فأثنى اللَّه عليه- أعني على أيوب- بالصبر مع دعائه في رفع الضر عنه.
فعلمنا أن العبد إذا دعا اللَّه في كشف الضر عنه لا يقدح في صبره وأنه صابر وأنه نعم العبد كما قال تعالى‏ «إِنَّهُ أَوَّابٌ» أي رجاع إلى اللَّه لا إلى الأسباب، والحق يفعل عند ذلك بالسبب لأن العبد يستند إليه، إذ الأسباب المزيلة لأمر ما كثيرة والمسبِّب واحد العين. فرجوع العبد إلى الواحد العين المزيل بالسبب ذلك الألم أولى من الرجوع إلى سبب خاص ربمألا يوافق‏ علم اللَّه فيه، فيقول إن اللَّه لم يستجب لي وهو ما دعاه، وإنما جنح إلى سبب خاص لم يقتضه الزمان ولا الوقت .
فَعَمِلَ أيوب بحكمة اللَّه إذ كان نبياً، لِمَا عَلِمَ أن الصبر الذي هو حبس النفس عن الشكوى عند الطائفة ، وليس ذلك بحد للصبر عندنا. وإنما حده حبس النفس عن الشكوى لغير اللَّه لا إلى اللَّه. فحجب الطائفةَ نظرُهم في أن الشاكي يقدح بالشكوى في الرضا بالقضاء، وليس كذلك، فإن الرضا بالقضاء لا تقدح فيه الشكوى‏ إلى اللَّه ولا إلى غيره، وإنما تقدح في الرضا بالمقضي. ونحن ما خوطبنا بالرضا بالمقضي. والضر هو المقضي ما هو عين القضاء. وعلم أيوب أن في‏ حبس النفس عن الشكوى إلى اللَّه في رفع الضر مقاومَةَ القهر الإلهي، وهو جهل بالشخص إذ ابتلاه اللَّه بما تتألم منه نفسه، فلا يدعو اللَّه في إزالة ذلك الأمر المؤلم، بل ينبغي له عند المحقق أن يتضرع ويسأل اللَّه في إزالة ذلك عنه، فإن ذلك إزالة عن جناب اللَّه عند العارف صاحب الكشف: فإن اللَّه قد وصف نفسه بأنه يؤذي فقال‏ «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ». وأي أذىً أعظم من أن يبتليك ببلاء عند غفلتك عنه وعن مقام إلهي لا تعلمه لترجع إليه بالشكوى فيرفعه عنك، فيصح الافتقار الذي هو حقيقتك، فيرتفع عن الحق الأذى بسؤالك إياه في رفعه عنك، إذ أنت صورته الظاهرة.
كما جاع بعض العارفين فبكى فقال له في ذلك من لا ذوق له في هذا الفن معاتباً له، فقال العارف «إنما جوعني لأبكي». يقول إنما ابتلاني بالضر لأسأله في رفعه عني، و ذلك لا يقدح في كوني صابراً. فعلمنا أن الصبر إنما هو حبس النفس عن الشكوى لغير اللَّه، وأعني بالغير وجهاً خاصاً من وجوه اللَّه. وقد عين اللَّه الحق‏ وجهاً خاصاً من وجوه اللَّه وهو المسمى وجه الهوية فتدعوه من ذلك الوجه في رفع الضر لا من الوجوه الأخر المسماة أسباباً، وليست إلا هو من حيث تفصيل‏ الأمر في نفسه. فالعارف لا يحجبه سؤاله هويَّةَ الحق في رفع الضر عنه عن أن تكون جميع الأسباب عينه من حيثية خاصة. وهذألا يلزم طريقته إلا الأدباء من عباد اللَّه الأمناء على أسرار اللَّه، فإن للَّه أمناء لا يعرفهم إلا اللَّه ويعرف بعضهم بعضاً. وقد نصحناك‏ فاعمل وإياه سبحانه فاسأل.
 

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: