17- فص حكمة وجودية في كلمة داودية

17- فص حكمة وجودية في كلمة داودية  
اعلم أنه لما كانت النبوة والرسالة اختصاصاً إلهياً ليس فيها شي‏ء من الاكتساب:
أعني نبوة التشريع، كما كانت عطاياه تعالى لهم عليهم السلام من هذا القبيل مواهب ليست جزاء : ولا يُطْلَبُ عليها منهم جزاء. فإعطاؤه إياهم على طريق الإنعام و الإفضال. فقال تعالى‏ ووَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ ويَعْقُوبَ*- يعني لإبراهيم الخليل عليه السلام، وقال في أيوب‏ «وَ وَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ ومِثْلَهُمْ مَعَهُمْ»، وقال في حق موسى‏ «وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا» إلى مثل ذلك. فالذي تولاهم أوَّلًا هو الذي تولاهم في عموم أحوالهم وأكثرها، و ليس إلا اسمه الوهاب. وقال في حق داود «وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا» فلم يقرن به جزاء يطلبه منه، ولا أخبر أنه أعطاه هذا الذي ذكره‏ جزاء.
ولما طلب الشكر على ذلك العمل طلبه من آل داود ولم يتعرض لذكر داود ليشكره‏ الآل على ما أنعم به على داود. فهو في حق داود عطاء نعمة وإفضال، وفي حق آلِهِ على غير ذلك لطلب المعاوضة فقال تعالى‏ «اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْر وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ». وإن كانت الأنبياء عليهم السلام‏ قد شكروا اللَّه على ما أنعم به عليهم ووهبهم، فلم يكن ذلك على طلب من اللَّه، بل تبرعوا بذلك من نفوسهم كما قام رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حتى تورمت قدماه شكراً لمَّا غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فلما قيل له في ذلك قال «أ فلا أكون عبداً شكوراً»؟ وقال في نوح‏ «إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً».
فالشكور من عباد اللَّه تعالى قليل. فأول نعمة أنعم اللَّه بها على داود عليه السلام أن أعطاه اسماً ليس فيه حرف من حروف الاتصال، فقطعه عن العالم بذلك إخباراً لنا عنه بمجرد هذا الاسم، وهي الدال والألف والواو.
وسَمَّى محمداً صلى اللَّه عليه وسلم بحروف الاتصال والانفصال، فوصله به وفصله عن العالم‏ فجمع له بين الحالين‏ في اسمه كما جمع لداود بين الحالين‏ من طريق المعنى، ولم يجعل ذلك في اسمه، فكان ذلك اختصاصاً لمحمد عَلَى داود عليهما السلام، أعني التنبيه عليه باسمه. فتم له الأمر عليه السلام من جميع جهاته، وكذلك في اسمه أحمد، فهذا من حكمة اللَّه تعالى. ثم قال في حق داود- فيما أعطاه على طريق الإنعام عليه- ترجيع الجبال معه التسبيحَ، فتسبح لتسبيحه ليكون له عملها. وكذلك الطير. وأعطاه القوة ونعته بها، وأعطاه‏ الحكمة وفصْل الخطاب. ثم المنة الكبرى والمكانة الزلفى التي خصه اللَّه بها التنصيص على خلافته. ولم يفعل ذلك مع أحد من أبناء جنسه وإن كان فيهم خلفاء فقال‏ «يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الْهَوى‏» أي ما يخطر لك في حكمك من غير وحي مني‏ «فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» أي عن الطريق الذي أُوحِي بها إلى رسلي. ثم تأدب سبحانه معه فقال‏ «إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ» ولم يقل له فإن ضللت عن سبيلي فلك عذاب شديد. فإن قلت وآدم عليه السلام قد نُصَّ على خلافته. قلنا ما نص مثل التنصيص على داود، وإنما قال للملائكة «إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»، ولم يقل إني جاعل آدم خليفة في الأرض. ولو قال، لم يكن مثل قوله‏ «جَعَلْناكَ خَلِيفَةً» في حق داود، فإن هذا محقق وذلك‏ ليس كذلك. وما يدل ذكر آدم في القصة بعد ذلك على أنه عين ذلك الخليفة الذي نص اللَّه عليه. فاجعل بالك لإخبارات الحق عن عباده إذا أخبر. وكذلك في حق إبراهيم الخليل‏ «إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً» ولم يقل خليفة، وإن كنا نعلم أن الإمامة هنا خلافة، ولكن ما هي مثلها، لأنه ما ذكرها بأخص أسمائه وهي الخلافة. ثم في داود من الاختصاص بالخلافة أن جعله خليفةَ حكم، و ليس ذلك إلا عن اللَّه فقال له فاحكم بين الناس بالحق، وخلافة آدم قد لا تكون من هذه المرتبة: فتكون خلافته أن‏ يخلُفَ من كان فيها قبل ذلك، لا أنه نائب عن اللَّه في خلقه بالحكم الإلهي فيهم، و إن كان الأمر كذلك وقع، ولكن ليس كلامنألا في التنصيص عليه والتصريح به.
وللَّه في الأرض خلائف عن اللَّه، وهم الرسل. وأما الخلافة اليوم فعن الرسول‏ لا عن اللَّه، فإنهم ما يحكمون إلا بما شَرَعَ لهم الرسول لا يخرجون عن ذلك.
غير أن هنا دقيقةً لا يعلمها إلا أمثالنا، وذلك في أخذ ما يحكمون به مما هو شرع للرسول عليه السلام. فالخليفة عن الرسول من يأخذ الحكم بالنقل عنه‏ صلى اللَّه عليه وسلم و بالاجتهاد الذي أصله أيضاً منقول عنه صلى اللَّه عليه وسلم. وفينا من يأخذه عن اللَّه فيكون خليفة عن اللَّه بعين ذلك الحكم، فتكون المادة له من حيث كانت المادة لرسوله صلى اللَّه عليه وسلم. فهو في الظاهر متبع لعدم مخالفته في الحكم، كعيسى إذا نزل فحكم، وكالنبي محمد صلى اللَّه عليه وسلم في قوله‏ «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ»، وهو في حق ما يعرفه من صورة الأخذ مختصّ موافق، هو فيه بمنزلة ما قرره النبي صلى اللَّه عليه وسلم من شرع من تقدم من الرسل بكونه قرره فاتبعناه من حيث تقريره لا من حيث إنه شرع لغيره قبله. وكذلك أخذُ الخليفة عن اللَّه عينُ ما أخذه منه الرسول. فنقول فيه بلسان الكشف خليفة اللَّه وبلسان الظاهر خليفة رسول اللَّه. ولهذا مات رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وما نص بخلافة عنه إلى أحد.
ولا عَيَّنَه لعلمه أن في أُمته من يأخذ الخلافة عن ربه فيكون خليفة عن اللَّه مع الموافقة في الحكم المشروع. فلما علم ذلك صلى اللَّه عليه وسلم لم يحجر الأمر.
فلله خلفاء في خلقه يأخذون من معدن الرسولِ والرسلِ ما أخذته الرسلُ عليهم السلام، ويعرفون‏ فضل المتقدم هناك لأن الرسول قابل للزيادة: وهذا الخليفة ليس بقابل للزيادة التي لو كان الرسولَ‏ قبلها. فلا يعطِي من العلم والحكم فيما شَرَّع إلا ما شُرِّع‏ للرسول خاصة، فهو في الظاهر متَّبع غير مخالف، بخلاف الرسل. ألا ترى عيسى عليه السلام لما تخيلت اليهود أنه لا يزيد على موسى، مثل ما قلناه في الخلافة اليوم مع الرسول، آمنوا به وأقروه: فلما زاد حكم ونسخ حكماً قد قرره موسى- لكون عيسى رسولًا- لم يحتملوا ذلك لأنه خالف‏ اعتقادهم فيه؟ وجهلت اليهود الأمر على ما هو عليه فطلبت قتله، فكان من‏ قصته ما أخبرنا اللَّه في كتابه العزيز عنه وعنهم. فلما كان رسولًا قَبِلَ الزيادة، إما بنقص حكم قد تقرر، وزيادة حكم. على أن النقص زيادة حكم بلا شك. والخلافة اليوم ليس لها هذا المنصب وإنما تنقص وتزيد على الشرع الذي تقرر بالاجتهاد لا على الشرع الذي شُوفِهَ‏ به محمد صلى اللَّه عليه وسلم، فقد يظهر من الخليفة ما يخالف حديثاً ما في الحكمَ فيُتخَيَّل أنه من الاجتهاد وليس كذلك: وإنما هذا الامام لم يثبت عنده من جهة الكشف ذلك الخبر عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم، ولو ثبت لحكم به. و إن كان الطريق فيه العدل عن العدل فما هو معصوم من الوهم ولا من النقل على المعنى.
فمثل هذا يقع من الخليفة اليوم، وكذلك يقع من عيسى عليه السلام، فإنه إذا نزل يرفع كثيراً من شرع الاجتهاد المقرر فيبين برفعه صورة الحق المشروع الذي كان عليه عليه‏ السلام، ولا سيما إذا تعارضت أحكام الأئمة في النازلة الواحدة. فنعلم‏ قطعاً أنه لو نزل وحي لنزل بأحد الوجوه، فذلك هو الحكم الإلهي. وما عداه وإن قرره الحق فهو شرع تقرير لرفع الحرج‏ عن هذه الأمة واتساع الحكم فيها. وأما قوله عليه السلام إذا بويع الخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما هذا في الخلافة الظاهرة التي لها السيْف.   
وإن اتفقا فلا بد من قتل أحدهما. بخلاف الخلافة المعنوية فإنه لا قتْل فيها. وإنما جاء القتل في الخلافة الظاهرة وإن‏ لم يكن لذلك الخليفة هذا المقام، وهو خليفة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إن عدل- فمِنْ حكم الأصل الذي به تُخُيِّل وجود إلهين، «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا»، وان اتفقا: فنحن نعلم أنهما لو اختلفا تقديراً لنفذ حكم أحدهما، فالنافذ الحكم هو الإله على الحقيقة، والذي لم ينفذ حكمه ليس بإله‏ . ومن هنا نعلم أن كل حكم ينفذ اليوم في العالم أنه حكم اللَّه عز وجل، وإن خالف الحكم المقرر في الظاهر المسمى شرعاً إذ لا ينفذ حكم إلا للَّه في نفس الأمر، لأن الأمر الواقع في العالم إنما هو على حكم المشيئة الإلهية لا علم حكم الشرع المقرر، وإن كان تقريره من المشيئة. و لذلك نفذ تقريره خاصة فإن‏ المشيئة ليست لها فيه إلا التقرير لا العمل بما جاء به. فالمشيئة سلطانها عظيم، و لهذا جعلها أبو طالب‏ عرش الذات ، لأنها لذاتها تقتضي الحكم. فلا يقع في الوجود شي‏ء ولا يرتفع خارجاً عن المشيئة، فإن الأمر الإلهي إذا خولف هنا بالمسمى معصية، فليس إلا الأمر بالواسطة لا الأمر التكويني‏ . فما خالف اللَّه أحدٌ قط في جميع ما يفعَله من حيث أمر المشيئة، فوقعت المخالفة من حيث أمر الواسطة فافهم. وعلى الحقيقة فأمر المشيئة إنما يتوجه على إيجاد عين الفعل لا على من ظهر على يديه ، فيستحيل ألَّا يكون. ولكن في هذا المحل الخاص، فوقتاً يسمى به‏ مخالفة لأمر اللَّه، ووقتاً يسمى موافقة وطاعة لأمر اللَّه. ويتبعه لسان‏ الحمد والذم على حسب ما يكون . ولما كان الأمر في نفسه على ما قررناه، لذلك كان مآل الخلق إلى السعادة على اختلاف أنواعها. فعبر عن هذا المقام بأن الرحمة وسعت كل شي‏ء، وأنها سبقت الغضب الإلهي. والسابق متقدم، فإذا لحقه هذا الذي حكم عليه المتأخر حكم عليه المتقدم فنالته الرحمة إذ لم يكن غيرها سبق. فهذا معنى سبقت رحمته غضبه، لتحكم على ما وصل إليها فإنها في الغاية وقفت و الكل سالك إلى الغاية. فلا بد من الوصول إليها، فلا بد من الوصول إلى الرحمة و مفارقة الغضب، فيكون الحكم لها في كل واصل إليها بحسب ما تعطيه حال الواصل إليها .
فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلناه
وإن لم يكن فهم فيأخذه عنا
فما ثم إلا ما ذكرناه فاعتمد
عليه وكن بالحال فيه كما كنا
فمنه إلينا ما تلونا عليكم‏
ومنا إليكم ما وهبناكم منا
وأما تليين الحديد فقلوب قاسية يلينها الزجر والوعيد تليينَ النار الحديد. وإنما الصعب قلوب أشد قساوة من الحجارة، فإن الحجارة تكسره وتكلسها النار ولا تلينها. وما ألَانَ‏ له الحديد إلا لعمل الدروع الواقية تنبيهاً من اللَّه: أي لا يُتّقى الشي‏ء إلا بنفسه، لأن الدرع يُتّقى بها السنان والسيف والسكين والنصل، فاتّقَيْت الحديد بالحديد. فجاء الشرع المحمدي بأعوذ بك منك، فافهم، فهذا روح تليين الحديد فهو المنتقم الرحيم واللَّه الموفق.
 

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad:





الكلام إذا لم يؤثر في نفس السامع مراد الكتكلم أن نقيضه بالرد عليه لا يعوَّل عليه، لأن المتكلم بالحق لا بد من أحد النقيضين في السامع.
الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي [من كتاب ما لا يعول عليه - -]

مشاركة الصفحة

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
SINGLEMONAD

الإعجاب بصفحتنا على الفيسوك:
IBNALARABICOM


الإعجاب بهذه الصفحة على الفيسبوك:

اختر أي نص لتقوم بتغريده!