12- فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية

12- فص حكمة قلبية في كلمة شعيبية
اعلم أن القلب- أعني قلب العارف باللَّه- هو من رحمة اللَّه، وهو أوسع منها، فإِنه وَسِعَ الحق جل جلاله ورحمته لا تسعه: هذا لسان العموم‏ من باب الإشارة، فإِن‏ الحق راحم ليس بمرحوم فلا حكم للرحمة فيه . وأما الإشارة من لسان الخصوص فإِن اللَّه‏ وصف نفسه بالنَّفَس وهو من التنفيس:
وأن الأسماء الإلهية عين المسمى وليس‏ إِلا هو، وأنها طالبة ما تعطيه من‏ الحقائق وليس الحقائق التي تطلبها الأسماء إِلا العالم. فالألوهية تطلب المألوه، والربوبية تطلب المربوب ، وإِلا فلا عين لهألا به وجود و تقديراً. والحق من حيث ذاته غني عن العالمين. والربوبية ما لها هذا الحكم.
فبقي الأمر بين ما تطلبه الربوبية وبين ما تستحقه الذات من الغنى عن العالم.
وليست الربوبية على الحقيقة والاتصاف‏ إِلا عين هذه الذات.
فلما تعارض الأمر بحكم النسب ورد في الخبر ما وصف الحق به‏ نفسه من الشفقة على عباده . فأول ما نفَّس عن الربوبية بِنَفَسه المنسوب إِلى الرحمن بإِيجاده العالم الذي تطلبه الربوبية بحقيقته وجميع الأسماء الإلهية.
فيثبت‏ من هذا الوجه أن رحمته وسعت كل شي‏ء فوسعت الحق، فهي أوسع من القلب ومساوية له في السعة. هذا مَضَى‏ ، ثم لتعلم أن الحق تعالى كما ثبت في الصحيح يتحول في الصور عند التجلي، وأن الحق تعالى إِذا وسعه القلب لا يسع معه غيره من المخلوقات فكأنه يملؤه. ومعنى هذا أنه إِذا نَظَرَ إِلى الحق عند تجليه له لا يمكن أن ينظر معه إِلى غيره. وقلب العارف من السَّعة كما قال أبو يزيد البسطامي «لو أن العرش وما حواه مائة ألف ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به». وقال الجنيد في هذا المعنى: إِن المحدَث إِذا قرن بالقديم لم يبق له أثر، وقلب يسع القديم كيف يحس بالمحدث موجوداً . وإِذا كان الحق يتنوع تجليه في الصور فبالضرورة يتسع القلب ويضيق بحسب الصورة التي يقع فيها التجلي الإلهي، فإِنه لا يفضل شي‏ء عن صورة ما يقع فيها التجلي. فإِن القلب من العارف والإنسان الكامل بمنزلة محل فص الخاتم من الخاتم لا يفضل بل يكون على قدره وشكله من الاستدارة إِن كان الفص‏ مستدير ومن التربيع والتسديس والتثمين وغير ذلك من الأشكال إِن كان الفص مربع ومسدس ومثمن وما كان من الأشكال، فإِن محله من الخاتم يكون مثله لا غير . وهذا عكس ما يشير إِليه الطائفة من أن الحق يتجلى على قدر استعداد العبد. وهذا ليس كذلك، فإِن العبد يظهر للحق على قدر الصورة التي يتجلى له‏ فيها الحق. وتحرير هذه المسألة أن للَّه تجليين. تجلي غيب وتجلي شهادة، فمن تجلي الغيب يعطي الاستعداد الذي يكون عليه القلب، وهو التجلي الذاتي الذي الغيب حقيقته، وهو الهوية التي يستحقها بقوله عن نفسه «هو». فلا يزال «هو» له دائماً أبداً . فإِذا حصل له- أعني للقلب‏ - هذا الاستعداد، تجلى‏ له التجلِّي الشهودي‏ في الشهادة فرآه فظهر بصورة ما تجلى له كما ذكرناه‏ . فهو تعالى أعطاه الاستعداد بقوله‏ «أَعْطى‏ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ»، ثم رفع الحجاب بينه وبين عبده فرآه في صورة معتقده‏ ، فهو عين اعتقاده. فلا يَشْهَد القلبُ ولا العينُ أبدألا صورة معتقده في الحق . فالحق الذي في المعْتَقَد هو الذي وسع القلب صورته، وهو الذي يتجلى له فيعرفه. فلا ترى العين إِلا الحق الاعتقادي. ولا خفاء بتنوع الاعتقادات: فمن قيده أنكره في غير ما قيده به، وأقر به فيما قيده به إِذا تجلَّى. ومن أطلقه عن التقييد لم ينكره وأقر به‏ في كل صورة يتحول 34 فيه ويعطيه من نفسه قدر صورة ما تجلى له إِلى مألا يتناهى، فإِن صور التجلي ما لها نهاية تقف عندها. وكذلك العلم باللَّه‏ ما له غاية في العارف‏ يقف عندها، بل هو العارف في كل زمان يطلب الزيادة من العلم به.
«رَبِّ زِدْنِي عِلْماً» ، «رَبِّ زِدْنِي عِلْماً»، «رَبِّ زِدْنِي عِلْماً». فالأمر لا يتناهى من الطرفين . هذا إِذا قلت حق وخلق، فإِذا نظرت في قوله‏ «كنت رِجْلَه التي‏ يسعى به ويده التي‏ يبطش به ولسانه الذي يتكلم به» إِلى غير ذلك من القوى، ومحلها الذي هو الأعضاء، لم تفرق فقلت الأمر حق كله وخلق كله. فهو خلق بنسبة وهو حق بنسبة والعين واحدة. فعين صورة ما تجلى عين صورة من‏ قَبِل ذلك التجلي، فهو المتجلِّي والمتجلي له. فانظر ما أعجبَ أمرَ اللَّه من حيث هويته، ومن حيث نسبته إِلى العالم في حقائق أسمائه الحسنى.
فَمَن ثَمَّ وما ثمه‏
وعين ثم هو ثمه‏
فمن قد عمه خصه‏
ومن قد خصه عمَّه‏
فما عين سوى عين‏
فنور عينه ظلمه‏
فمن يغفل عن هذا
يجد في نفسه غمه‏
وما يعرف ما قلنا
سوى عبد له همه
«إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى‏ لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» لتقلبه في أنواع الصور والصفات ولم يقل لمن كان له عقل، فإِن العقل قيد فيحصر الأمر في نعت واحد والحقيقة تأبى الحصر في نفس الأمر. فما هو ذكرى لمن كان له عقل وهم أصحاب الاعتقادات الذين يكفر بعضُهم بِبعض ويَلعَنُ بعضهُم بعضَ وما لَهُمْ مِنْ نَاصرين. فإِن إِله‏ المعتقِد ما له حكم في إِله‏ المعتقد الآخر: فصاحب الاعتقاد يذُبُّ عنه أي عن الأمر الذي اعتقده في إِلهه و ينصره، وذلك في اعتقاده لا ينصره، فلهذألا يكون له أثر في اعتقاد المنازع له. و كذا المنازع ما له نصرة من إِلهه الذي في اعتقاده، فَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِين، فنفى الحق النُّصْرَة عن آلهة الاعتقادات على انفراد كل معتقد على حدته، والمنصور المجموع، والناصر المجموع. فالحق عند العارف هو المعروف الذي لا ينكر.
فأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة. فلهذا قال‏ «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» فَعَلِمَ تقلب الحق في الصور بتقليبه في الأشكال. فمن نفسه عرف نَفْسَه‏ ، وليست نفسه بغير لهوية الحق، ولا شي‏ء من الكون مما هو كائن‏ ويكون بغيرٍ لهوية الحق، بل هو عين الهوية. فهو العارف‏ والعالم والمُقَرُّ في هذه الصورة، وهو الذي لا عارف ولا عالم، وهو المنْكَرُ في هذه الصورة الأخرى. هذا حظ من عرف الحق من التجلي والشهود في عين الجمع، فهو قوله‏ «لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ» يتنوع في تقليبه. وأما أهل الإيمان وهم المقلدة الذين قلدوا الأنبياء والرسل فيما أخبروا به عن الحق، لا من قلد أصحاب الأفكار والمتأولين الأخبار الواردة بحملها على أدلتهم العقلية، فهؤلاء الذين قلدوا الرسل صلوات اللَّه عليهم وسلامه هم المرادون بقوله تعالى‏ «أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ» لما وردت به الأخبار الإلهية على ألسنة الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم، وهو يعني هذا الذي ألقى السمع شهيد ينبه على حضرة الخيال واستعمالها، وهو قوله عليه السلام في الإحسان «أن تَعبد اللَّه كأنكَ تراه»، واللَّه في قبلة المصلي، فلذلك‏ هو شهيد. ومن قلد صاحب نظر فكري وتقيد به فليس هو الذي ألقى السمع، فإِن هذا الذي ألقى السمع لا بد أن يكون شهيداً لما ذكرناه. ومتى لم يكن شهيداً لما ذكرناه فما هو المراد بهذه الآية. فهؤلاء هم الذين قال اللَّه فيهم‏ «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا» والرسل لا يتبرءون من أتباعهم الذين اتبعوهم . فحقِّقْ يا ولي‏ ما ذكرته لك في هذه الحكمة القلبية. وأما اختصاصها بشُعَيْب، لما فيها من التشعب، أي شعبهألا تنحصر، لأن كل اعتقاد شعبة فهي شعب كلها، أعني الاعتقادات فإِذا انكشف الغطاء انكشف لكل أحد بحسب معتقده، وقد ينكشف بخلاف معتقده في الحكم، وهو قوله‏ «وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ». فأكثرها في الحكم كالمعتزلي يعتقد في اللَّه نفوذ الوعيد في العاصي‏ إِذا مات على غير توبة. فإِذا مات‏ وكان مرحوماً عند اللَّه قد سبقت له عناية بأنه لا يعاقب، وجد اللَّه غفوراً رحيماً، فبدا له من اللَّه ما لم يكن يحتسبه. وأمَّا في الهوية فإِن بعض العباد يجزم في اعتقاده أن اللَّه كذ وكذا، فإِذا انكشف الغطاء رأى صورة معتقده وهي حق فاعتقدها. وانحلت العقدة فزال الاعتقاد وعاد علماً بالمشاهدة.
وبعد احتداد البصر لا يرجع كليل النظر، فيبدو لبعض العبيد باختلاف التجلي في الصور عند الرؤية خلاف معتقده‏ لأنه‏ لا يتكرر، فيصدق عليه في الهوية «وَ بَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ» في هويته‏ «ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» فيها قبل كشف الغطاء. وقد ذكرنا صورة الترقي بعد الموت في المعارف الإلهية في كتاب التجليات لنا عند ذكرنا من اجتمعنا به من الطائفة في الكشف وما أفدناهم في هذه المسألة بما لم يكن عندهم. ومن أعجب الأمور أنه في الترقي دائم ولا يشعر بذلك للطافة الحجاب ودقته وتشابه الصور مثل قوله تعالى‏ «وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً». وليس هو الواحد عين الآخر فإِن الشبيهين عند العارفِ أنَّهما شبيهان، غيران‏ ، وصاحب التحقيق يرى الكثرة في الواحد كما يعلم أن مدلول الأسماء الإلهية، وإِن اختلفت حقائقه وكثرت، أنها عين واحدة. فهذه كثرة معقولة في واحد العين. فتكون في التجلي كثرة مشهودة في عين واحدة، كما أن الهيولى تؤخذ في حد كل صورة، وهي‏ مع كثرة الصور واختلافِهَا ترجع في‏ الحقيقة إِلى جوهر واحد هو هيولاها. فمن عرف نفسه بهذه المعرفة فقد عرف ربه فإِنه على صورته خلقه، بل هو عين هويته وحقيقته. ولهذا ما عثر أحد من العلماء على معرفة النفس وحقيقتهألا الإلهيون من الرسل والصوفية.
وأما أصحاب النظر وأرباب الفكر من القدماء والمتكلمين‏ في كلامهم في النفس وماهيتها، فما منهم من عثر على حقيقتها، ولا يعطيها النظر الفكري أبداً. فمن طلب العلم بها من طريق النظر الفكري فقد استسمن ذا ورم ونفخ في غير ضرم. لا جرم أنهم من‏ «الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْي وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً». فمن طلب الأمر من غير طريقه فما ظفر بتحقيقه، وما أحسن ما قال اللَّه تعالى في حق العالَم وتبدله مع الأنفاس.
«في خلق جديد» في عين واحدة، فقال في حق طائفة، بل أكثرِ العالم، «بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ». فلا يعرفون تجديد الأمر مع الأنفاس.
لكن قد عثرت عليه الأشاعرة في بعض الموجودات وهي الأعراض، وعثرت عليه الحِسْبَانية في العالم كله . وجهَّلهُمْ أهل النظر بأجمعهم.
ولكن أخطأ الفريقان: أما خطأ الحسبانية فبكونهم ما عثروا مع قولهم بالتبدل في العالم بأسره على أحدية عين الجوهر الذي قَبِلَ هذه الصورة ولا يوجد إِلا بها كمألا تعقل إِلا به. فلو قالوا بذلك فازوا بدرجة التحقيق في الأمر. وأما الأشاعرة فما علموا أن العالم كله مجموع أعراض فهو في الأمر. وأما الأشاعرة فما علموا أن العالم كله مجموع أعراض فهو يتبدل‏ في كل زمان إِذِ الْعَرَضُ لا يبقى زمانين. ويظهر ذلك في الحدود للأشياء، فإِنهم إِذا حدوا الشي‏ء تبين في حدهم كونه‏ الأعراض، وأن هذه الأعراض المذكورة في حده عين هذا الجوهر وحقيقته القائِمِ‏ بنفسه. ومن‏ حيث هو عرض لا يقوم بنفسه. فقد جاء من مجموع مألا يقوم بنفسه من يقوم بنفسه‏ كالتحيز في حد الجوهر القائم بنفسه الذاتي‏ وقبوله للأعراض حدٌّ له ذاتي . ولا شك أن القبول عرض إِذ لا يكون إِلا في قابل لأنه لا يقوم بنفسه: وهو ذاتي للجوهر. والتحيز عرض لا يكون إِلا في متحيز، فلا يقوم بنفسه. وليس التحيز عرض لا يكون إِلا في متحيز، فلا يقوم بنفسه. وليس التحيز والقبول بأمر زائد على عين الجوهر المحدود لأن الحدود الذاتية هي عين المحدود و هويته، فقد صار مألا يبقى زمانين يبقى زمانين‏ وأزمنة وعاد مألا يقوم بنفسه يقوم بنفسه.
ولا يشعرون لما هم عليه، وهؤلاء هم في لَبْسٍ من خلق جديد. وأما أهل الكشف فإِنهم يرون أن اللَّه‏ يتجلى في كل نَفَسٍ ولا يكرر التجلي، ويرون أيضاً شهوداً أن كل تجلٍ يعطي خلقاً جديد ويذهب بخلق. فذهابه هو عين الفناء عند التجلي والبقاء لما يعطيه التجلي الآخر فافهم.
 

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: