11- فص حكمة فتوحية في كلمة صالحية

11- فص حكمة فتوحية في كلمة صالحية
من الآيات آيات الركائب‏
وذلك لاختلاف في المذاهب‏
فمنهم قائمون‏ بها بحق‏
ومنهم قاطعون بها السباسب‏
فأما القائمون فأهل عين‏
وأما القاطعون هم الجنائب‏
وكل مِنْهُمْ يأتيه منه‏
فتوح غيوبه من كل جانب
اعلم وفقك اللَّه أن الأمر مبني في نفسه على الفردية ولها التثليث، فهي من الثلاثة فصاعداً. فالثلاثة أول‏ الأفراد. وعن هذه الحضرة الإلهية وجد العالم فقال تعالى‏ «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» وهذه‏ ذاتٌ‏ ذاتُ إِرادة وقول. فلو لا هذه الذات وإِرادته وهي نسبة التوجه بالتخصيص لتكوين أمر ما، ثم لو لا قوله عند هذا التوجه كن لذلك الشي‏ء ما كان ذلك الشي‏ء. ثم ظهرت الفردية الثلاثية أيضاً في ذلك الشي‏ء، وبها من جهته صح تكوينه واتصافه بالوجود، وهي شيئيته وسماعه وامتثاله أمر مكونه بالإيجاد. فقابل‏ ثلاثة بثلاثة: ذاته الثابتة في حال عدمها في موازنة ذات موجدها، وسماعه في موازنة إِرادة موجده، وقبوله بالامتثال لما أُمِرَ به من التكوين في موازنة قوله كن، فكان هو فنسب التكوين إِليه فلو لا أنه من- قوته التكوين من نفسه عند هذا القول ما تكوَّن. فما أوجد هذا الشي‏ء بعد أن لم يكن عند الأمر بالتكوين إِلا نفسه. فأثبت الحق تعالى أن‏ التكوين للشي‏ء نفسه لا للحق، والذي للحق فيه أمره خاصة. وكذلك‏ أخبر عن نفسه في قوله‏ «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْ‏ءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» فنسب التكوين لنفس الشي‏ء عن أمر اللَّه وهو الصادق في قوله. وهذا هو المعقول في نفس الأمر.
كما يقول الآمر الذي يُخَافُ فلا يعصى لعبده قمْ فيقوم العبد امتثالًا لأمر سيده. فليس للسيد في قيام هذا العبد سوى أمره له بالقيام، والقيام من فعل العبد لا من فعل السيد . فقام أصل التكوين على التثليث أي من الثلاثة من الجانبين، من جانب الحق ومن جانب الخلق. ثم سرى ذلك في إِيجاد المعاني بالأدلة:
فلا بد من الدليل أن يكون مركباً من ثلاثة على نظام مخصوص وشرط مخصوص، وحينئذ ينتج لا بد من ذلك، وهو أن يركب الناظر دليله من مقدمتين كل مقدمة تحوي‏ على مفردين فتكون أربعة واحد من هذه الأربعة يتكرر في المقدمتين لتُرْبَط إِحداهما بالأخرى كالنكاح فتكون ثلاثة لا غير لتكرار الواحد فيهما .
فيكون المطلوب إِذا وقع هذا الترتيب على الوجه المخصوص وهو ربط إِحدى المقدمتين بالأخرى بتكرار ذلك الواحِد المفرِد الذي به يصح‏ التثليث.
والشرط المخصوص أن يكون الحكم أعمَّ من العلة ومساوياً لها، وحينئذ يصدق، وإِن لم يكن كذلك فإِنه ينتج نتيجة غير صادقة . وهذا موجود في العالم مثل إِضافة الأفعال إِلى العبد معراة عن نسبتها إِلى اللَّه‏ وإِضافة التكوين الذي نحن بصدده إِلى اللَّه مطلقاً . والحق ما أضافه الا إِلى الشي‏ء الذي قيل له كن. ومثاله إِذا أردنا أن ندل أن وجود العالم عن سبب فنقول كل حادث فله سبب فَمَعَنَا الحادث والسبب. ثم نقول‏ في المقدمة الأخرى والعالم حادث فتكرر الحادث في المقدمتين. والثالث قولنا العالم، فأنتج أن العالم له سبب، وظهر في النتيجة ما ذكر في المقدمة الواحدة وهو السبب. فالوجه الخاص‏ هو تكرار الحادث، والشرط الخاص‏ عموم العلة لأن العلة في وجود الحادث السبب، وهو عام في حدوث العالم عن اللَّه أعني الحكم. فنحكم‏ على كل حادث أن له سبباً سواء كان ذلك السبب مساوياً للحكم ويكون الحكم أعم منه فيدخل تحت حكمه، فتصدق النتيجة. فهذا أيضاً قد ظهر حكم التثليث‏ في إِيجاد المعاني التي تقتنص بالأدلة. فأصل الكون التثليث، ولهذا كانت حكمة صالح عليه السلام التي أظهر الله في تأخير أخذ قومه ثلاثة أيام وعْداً غير مكذوب، فأنتج صدق وهو الصحيحة التي أهلكهم اللَّه‏ بها فأصبحوا في ديارهم جاثمين. فأول يوم من الثلاثة اصفرت وجوه القوم، وفي الثاني احمرت وفي الثالث اسودت. فلما كملت الثلاثة صح الاستعداد فظهر كون الفساد فيهم فسمى ذلك الظهور هلاكاً، فكان اصفرار وجوه الأشقياء في موازنة إِسفار وجوه السعداء في قوله تعالى‏ «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ» من السفور وهو الظهور، كما كان‏ الاصفرار في أول يومٍ ظهورَ علامة الشقاء في قوم صالح. ثم جاء في موازنة الاحمرار القائم بهم قوله تعالى في السعداء «ضاحِكَةٌ»، فإِن الضحك من الأسباب المولدة لاحمرار الوجوه، فهي في‏ السعداء احمرار الوجنات. ثم جعل في موازنة تغير بشرة الأشقياء بالسواد قوله تعالى‏ «مُسْتَبْشِرَةٌ» وهو ما أثره‏ السرور في بشرتهم كما أثر السواد في بشرة الأشقياء. ولهذا قال في الفريقين بالبشرى، أي يقول لهم قولًا يؤثر في بشرتهم فيعدل بها إِلى لون لم تكن البشرة تتصف به قبل هذا. فقال في حق السعداء «يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ ورِضْوانٍ» وقال في حق الأشقياء «فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ»* فأثر في بشرة كل طائفة ما حصل في نفوسهم من أثر هذا الكلام. فما ظهر عليهم في ظاهرهم إِلا حكم ما استقر في بواطنهم من المفهوم. فما أثر فيهم سواهم كما لم يكن التكوين إِلا منهم. فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ . فمن فهم هذه الحكمة وقررها في نفسه وجعلها مشهودة له‏ أراح نفسه من التعلق بغيره وعلم أنه لا يؤتى عليه بخير ولا بشر إِلا منه. وأعني بالخير ما يوافق‏ غرضه ويلائم طبعه ومزاجه، وأعني بالشر ما لا يوافق غرضه ولا يلائم طبعه ولا مزاجه. ويقيم صاحب هذا الشهود معاذير الموجودات كلها عنهم وإِن لم يعتذروا، و يعلم أنه منه كان كل ما هو فيه كما ذكرناه أولًا في أن العلم تابع للمعلوم، فيقول لنفسه إِذا جاءه مألا يوافق غرضه: يداك أوْكَتَ وفوك نفخ. واللَّه يقول الحق و هو يهدي السبيل.
 

 

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: